وليد عنبوور
ترزح الساحة السياسية والعسكرية السودانية حالياً تحت واحدة من أعقد فترات السيولة في تاريخها الحديث؛ حيث تنصهر التحالفات القديمة وتتشكل أخرى جديدة بسرعة تتجاوز قدرة الوعي الجمعي على الاستيعاب الأخلاقي، فتصير الخرائط السياسية والمواقع العسكرية قابلة للانقلاب بين ليلة وضحاها. وفوق ذلك يبرز الجدل الكثيف المحيط بتبريرات حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي الذي صرّح علنًا بأنه ليس معنياً بمحاكمة التابع، في إشارة إلى القائد الميداني “أبو لولو” المرتبط بانتهاكات ميدانية وجرائم حرب دموية، كعرض سطحي لأزمة بنيوية أعمق بكثير.
ففي حين يتجاوز هذا السلوك حدود الاستيعاب الفردي المعزول ليتسع نحو اعتراف علني بعقد اجتماع مباشر مع القائد الميداني البارز “النور قبة”، والاحتفاء بانشقاقه عن قوات الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش السوداني ومؤسسات دولة الأمر الواقع في بورتسودان بعد فترة طويلة قضاها قائداً وموجهاً لأشرس معارك الفاشر ضد الجيش والقوات المشتركة نفسها.
برغم ما يثيره هذا المشهد من دهشة واستفزاز عارم في أوساط الشارع السوداني والنخب الحقوقية لأنه لا يمثل حدثاً عابراً أو هفوة سياسية تكتيكية؛ وفوق ذلك هو تعبير صارخ وصريح عن ديناميكيات البقاء العارية التي تحكم سلوك سلطة بورتسودان وحلفائها من الحركات المسلحة. وتنعكس هذه الخطوات كمحاولة مستميتة للهندسة الجيوسياسية والعسكرية لإنتاج شرعية بديلة حتى وإن تأسست هذه الشرعية على أنقاض العدالة وتناقضاتها البنيوية الحادة، مما يضع المواطن السوداني أمام تساؤلاتٍ مصيرية حول طبيعة الدولة التي تُصنع الآن في غرف المقايضات.
1. براغماتية البقاء وتحالفات الضرورة الحرجة
تتراجع الآيديولوجيا والشعارات الثورية في معارك الوجود والسيطرة، وتتساقط العدالة الخطابية تماماً لتخلي الساحة لصالح قانون واحد ومطلق هو ميزان القوة الصلبة على الأرض؛ إذ تنظر سلطة الأمر الواقع في بورتسودان بمن فيها إلى التوازنات العسكرية والميدانية، بوصفها الأولوية القصوى التي تعلو فوق أي قيمة دستورية أو التزام أخلاقي.
ويغيب السجل الحقوقي أو الجنائي للرموز المثيرة للجدل أو المتهمة بانتهاكات جسيمة في القاموس العسكري البراغماتي؛ فيُكتفى بالنظر إليها من زاوية قدراتها التنظيمية والعملياتية أو وزنها الاجتماعي والقبلي القادر على ترجيح كفة المعركة وتفكيك جبهة الخصم داخلياً عبر آلية الانشقاقات المتسلسلة، وبالتالي يتحول هذا القبول إلى عبء خطابي وأخلاقي ثقيل يحاول قادة مثل مناوي الالتفاف عليه عبر تسويقه للشارع تحت لافتات فضفاضة ومطاطة مثل توحيد الجهود ضد الخطر الأكبر، أو المصالحات الميدانية المؤقتة التي تقتضيها ضرورات الحرب، مستغلين حالة الخوف العام لتمرير صفقات تشرعن مرتكبي الانتهاكات وتلبي اشتراطات التحالفات الإقليمية التي تفرض سد أي نواقص ميدانية، لتبدو هذه السلطة شرعية ومسيطرة في أعين داعميها الخارجيين.
2. تفكيك المسؤولية الجنائية وتراتبية الأوامر
يبرز التناقض الأخلاقي والسياسي في أوضح صوره عند تشريح البنية التبريرية لهذا السلوك؛ فحين يصرح مناوي بأنه ليس معنياً بمحاكمة التابع “أبو لولو” طالما أنه كان ينفذ التعليمات الصادرة من القائد، فإنه يلجأ للحجة الكلاسيكية للتنصل من استحقاق المحاسبة، عبر تطبيع الجريمة وتجريدها من مسؤوليتها الفردية وتحويلها إلى مجرد إجراء تراتبي عسكري بهدف إعفاء الأفراد من المسؤولية الأخلاقية الفردية، وتحويل الانتهاك الجسيم إلى نتاج روتيني لهيكل تنظيمي.
وتكمن المعضلة الكبرى والمفارقة الصادمة للوعي الجمعي في قفز الخطاب السياسي فوق منطق الأشياء؛ فإعفاء التابع في وعي السلطة لأن الخطأ يكمن في مصدر التعليمات يتناقض كلياً مع الاحتفاء بالآمر نفسه “النور قبة” وعقد التفاهمات السياسية والعسكرية معه بمجرد إعلانه الانشقاق عن الطرف الخصم وتغيير بندقيته باتجاه معسكر بورتسودان. كما يكشف هذا التناقض أن الهدف الأساسي يبتعد عن إرساء العدالة أو التمييز بين المخطط والمنفذ؛ ويتجه نحو البراغماتية العارية المستعدة لاستيعاب المنفِّذ والتحالف مع الآمر معاً، والترحيب برأس الحربة السابق في قوات الخصم لخدمة أهداف تكتيكية قصيرة المدى على حساب التأسيس لقيم دولة القانون.
3. مفهوم الشرعية البديلة وسيكولوجيا صناعة الوهم
تفتقر حكومات الأمر الواقع عادة إلى الشرعية الدستورية أو الانتخابية أو التوافقية الناتجة عن عملية سياسية مستقرة ومجمع عليها، وتسعى هذه السلطات لتجاوز هذا المأزق عبر تعويض النقص من خلال مسارين هندسيين؛ يتمثل الأول في الشرعية الإجرائية والسيادية المادية، وعبر الاحتفاظ بالسيطرة على مؤسسات الدولة الرسمية والبعثات الدبلوماسية والمنافذ الحيوية كالموانئ والمطارات في بورتسودان للاستمرار في تمثيل الدولة سيادياً أمام المجتمع الدولي.
ويتمثل الثاني في شرعية التحالف العريض الميكانيكية وقدرته على تجميع وحشد أكبر عدد ممكن من المكونات المسلحة والقبلية تحت مظلتها لادعاء تمثيل الكتلة الحرجة؛ حيث يعد استقطاب قادة ميدانيين من وزن “النور قبة” أداة مثالية لتحقيق هذا الهدف الجيوسياسي، وسد النواقص بطلب من الحلفاء الإقليميين الذين يدعمون هذه السلطة ويشترطون تماسكها الأرضي. وتتحول القوى الإقليمية نفسها إلى قوى راعية ومسوِّقة بنشاط لهذه الممارسات البراغماتية عبر توفير الغطاء الدبلوماسي والمنصات الإعلامية لتبرير هذه التنازلات وتقديمها كضرورات حتمية لحفظ الاستقرار وتفكيك معسكر الخصم. ويمتد ذلك نحو استيعاب القوى الميدانية المنشقة وقادتها، بغض النظر عن سجلهم الحقوقي، كإجراء ميكانيكي لزيادة الوزن السياسي والعسكري، وبالتالي تظهر هنا شرعية خنادق تستمد وجودها من صمود الجبهات وإضعاف الخصوم عبر صفقات الاستقطاب، ولا تكترث كثيراً لنقاء السجل الجنائي لشركائها الحافل بالتحولات الميدانية الحادة، وتجبر الشارع على قبول هذه التناقضات تحت طائلة الابتزاز العاطفي بالأمن مقابل العدالة.
ومع ذلك فإن الحديث عن تضحية هذه السلطة بالعدالة يفترض ببراءة قد لا تكون مقصودة أنها امتلكت يوماً شيئاً منها لتضحي به؛ وهنا تكمن الطبقة الأشد قتامة من الأزمة، فسلطة بورتسودان ليست كياناً نقياً يلوثه اليوم التحالف مع قادة الانتهاكات. فالذين يجلسون على سدتها هم أنفسهم من أداروا وباركوا قمع وفضَّ الاعتصام أمام القيادة العامة، وانقلبوا على الفترة الانتقالية، وأجهضوا حلم الدولة المدنية، واستباحوا دماء الثوار والكنداكات ببرود. وفي هذه الحرب ذاتها لم تسلم من قصفهم المباني والمؤسسات المدنية ولا القرى والفرقان التي يسكنها مدنيون لا حول لهم ولا قوة، لذا فإن الشرعية البديلة التي يصنعونها اليوم ليست انزياحاً عن نقاء سابق؛ بل هي استمرار وتعميق لمنطق تأسيسي واحد؛ يرى في الدماء – سواء دماء المعتصمين أم دماء ضحايا الفاشر – مجرد تفصيلة في هندسة السيطرة.
4. التضحية بالعدالة والكلفة السياسية والاجتماعية الارتدادية
يحمل هذا البناء الهجين للشرعية القائم على التناقض في أحشائه بذور إضعافه وتآكله؛ وتظهر كلفته الارتدادية العميقة في مستويين خطيرين يجب على الشارع السوداني الانتباه لهما. فداخلياً يصاب الشارع والحاضنة الاجتماعية للاستنفار والقوات المشتركة بصدمة وانتكاسة نفسية ومعنوية جراء تكسر الخطاب الرسمي الذي يقدم الحرب ويروج لها كمعركة مبدئية وحرب كرامة والسيادة الوطنية بين دولة القانون والمليشيا المتمردة المتفلتة على صخرة الصفقات والتسويات تحت الطاولة. وتأتي رؤية قادة الميدان من الآمرين والمنفذين لانتهاكات الأمس كحلفاء جدد يجلس معهم ويثمن انشقاقهم، لتعطي إشارة سالبة تفيد بأن دماء الضحايا في الفاشر وغيرها أصبحت مجرد كروت تفاوضية لتحسين المواقع، مما يكرس سياسة الإفلات من العقاب التاريخية.
تتجاوز ديناميكيات البقاء العاري حدود المقايضات الميدانية المسكوت عنها. تصنع هذه الديناميكيات حالة من الانفصام والتناقض الصارخ في الخطاب الدبلوماسي والسياسي الموجه للرأي العام؛ السلطة التي طالما شيّدت شرعيتها التعبوية القائمة على تصدير العداء المطلق لدول إقليمية بعينها؛ واتهامها بالرجس والتآمر التاريخي لتأجيج الحرب، هي ذاتها السلطة التي يدور خلف أبوابها المغلقة همس المقايضات والبحث عن قنوات اتصال سرية. يأتي الخبر الأساسي الذي فجَّره موقع Middle East Eye حول تواصل مباشر بين رأس السلطة وتلك المحاور الإقليمية عبر وساطات عربية كالبحرين؛ ليكشف تجسيداً حياً لهذا التنازع.
ورغم مسارعة مجلس السيادة لنفي الخبر بعد ساعات من انتشار الصدمة؛ جاء رد الموقع البريطاني ليعمق المأزق ويكشف زيف التنصل. أكد الموقع أن اللقاء جرى مع البرهان مباشرة من خلال مترجم؛ وتلقى موافقة رسمية على الإجابات قبل النشر. يظل هذا الارتباك ذاته؛ والتأرجح بين السر والعلن؛ معرِّياً تماماً التناقض في كافة المستويات؛ يثبت هذا التخبط الموثق أن الخطاب الراديكالي المعلن للشارع ليس سوى قشرة خارجية؛ والجوهر الحقيقي يكمن في استعداد السلطة لطرق كافة الأبواب بحثاً عن طوق نجاة؛ متى ما فرضت اشتراطات البقاء ذلك.
وخارجياً يضعف الاستيعاب البراغماتي للمتورطين في انتهاكات أو الاحتفاء بقادة ميدانيين قادوا عمليات عسكرية دموية من موقف حكومة بورتسودان دبلوماسياً؛ ويمنح القوى الدولية أوراق ضغط إضافية لإدانة السلطة وإعاقة مساعيها للحصول على اعتراف دولي حقيقي كحكومة تمثل تطلعات الشعب السوداني، مما يطيل أمد العزلة الدولية والاقتصادية ويفشل جهود تسويق هذه التحالفات التكتيكية للمحاور الإقليمية الداعمة.
5. دائرية التوظيف ومعضلة إعادة تدوير الأزمة
تتمثل المفارقة التاريخية والأعمق إستراتيجياً في السياق السوداني في أن الأطراف والرموز الميدانية، التي تُستدعى وتُوظَّف اليوم لحماية معسكر الدولة أو تثبيت سلطة بورتسودان وسد عجزها أمام الداعم الإقليمي، هي نفسها الأطراف التي أُنتجت وعُسكرت سابقاً في هوامش الصراع؛ وضمن توازنات أمنية متقلبة للأنظمة المتعاقبة.
ويثبت انتقال هؤلاء الفاعلين وتحول ولاءاتهم وإعادة تدويرهم من خانة قيادة معارك الدعم السريع الشرسة إلى خانة الحليف البارز المنضم للجيش والذي يُعفى تابعه من المحاسبة، غياب مشروع وطني متكامل لبناء مؤسسات الدولة الحقيقية. ويوضح هذا الوضع الاعتماد التاريخي على عملية تجميع ميكانيكي متبدل للقوة لإطالة أمد السيطرة الفئوية، حيث يدور الفاعلون في حلقة مفرغة من تبديل الولاءات لضمان البقاء الفردي أو الفئوي أو القبلي، كونه الخطر الحقيقي الذي يهدد بتفتيت النسيج الاجتماعي والوطني وتحويل البلاد إلى إقطاعيات عسكرية متنافرة.
إلى الشارع السوداني
الاستغراب والجدل الدائر في الفضاء العام السوداني ليس ظاهرة سلبية، كما قد يبدو للبعض؛ فالأمر علامة صحية على أن ثمة وعياً جمعياً يرفض التطبيع مع التناقض، ويصر على مساءلة السلطة حتى في أحلك الظروف، فصار هذا الوعي النقدي هو رأس المال الحقيقي المتبقي في زمن تنهار فيه كل المؤسسات.
هذا الوعي مطالَب بأن يتجاوز رد الفعل العاطفي إلى الفعل التحليلي العميق الذي يدرك أن ما يجري ليس مجرد انحراف أخلاقي للحظة الراهنة؛ كونه نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وبُنى سياسية مختلة، فالإلمام ببراغماتية البقاء ليس تبريراً لها بقدر ما هو شرط ضروري لتجاوزها.
ويمر علينا عيد أضحى رابع والدم السوداني يتدفق على الجدران والأرض؛ وهو لا يتجلى كطقس عابر في تقويم الحرب؛ إنه شهادة متجددة على أن آلة الموت لا تعرف المواسم. وفي هذا العيد لا نملك للأنفس التي أُزهقت، في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة والنيل الأزرق وسنار وغيرها، سوى أن نجعل من ذاكرتها سلاحاً ضد النسيان، وأن نرفض أن تمر أعيادنا كما تمر الصفقات التجارية؛ باردة وعابرة وبلا معنى. فخلود الضحايا ليس في الدموع وحدها؛ وهو يكمن في إصرارنا على ألا تكون دماؤهم مجرد تفصيلة في هندسة السيطرة، ولا ضريبة دائمة تدفعها هذه الأرض في كل جولة من جولات البقاء العاري.
ويجب على الشارع السوداني، المنحاز لحق الحياة وضد الحرب، أن يدرك أن هذه المقدمات تؤدي حتماً إلى تأسيس شرعية مشوهة قائمة على التناقض البنيوي مع مفهوم العدالة؛ كشرعية ترى في المحاسبة ترفاً مؤجلاً، وفي صفقات الانشقاق والترضية القبلية والميدانية طوق نجاة. فالقبول الشعبي الصامت بهذه الصفقات يعني إعادة إنتاج ذات الأزمات الهيكلية التي أقعدت الدولة السودانية طويلاً، وصنعت هذه الحرب في المقام الأول بوجوه وتحالفات جديدة تفتقر للمركز الأخلاقي والمبدئي الموحد، وتجعل من العدالة مجرد ضحية مؤجلة على مذبح البقاء السياسي.