لـ(ديسمبر) كلمة
عندما عنونَّا افتتاحية (ديسمبر)، في عددها رقم 50 بتاريخ 16 أبريل 2026، بـ”المدنيون يستعيدون زمام المبادرة” لم نكن نرجم بالغيب أو نستنطق بلورة سحرية، بل كنا نستقرئ بوضوح الواقع السياسي والعسكري في البلاد، وتطورات الفعل المدني على الساحتين الداخلية والخارجية.
حيث لم تألُ القوى المدنية جهداً في الأشهر الأخيرة في العمل على توحيد صفوفها، وظهر ذلك في التوافق الذي حدث في أديس أبابا وقاد إلى صدور بيان موحد عن القوى المدنية المشارِكة في مؤتمر برلين في 15 أبريل الماضي.
وتلا ذلك الاجتماع الثاني لقوى إعلان المبادئ في نيروبي، الذي نجح في استيعاب قوى مؤثرة مثل حركة تحرير السودان-عبدالواحد وحزب البعث الأصل وقوى مدنية أخرى إلى جانب تحالف “صمود”، لصالح المشروع الموحد لوقف الحرب واستعادة الانتقال المدني الديمقراطي.
ومن ثم جاءت مشاورات “الخماسية” في أديس أبابا، والتي أعلنت فيها بعض مكونات “الكتلة الديمقراطية”، المؤيدة للجيش، عن انخراطها في أي عمل جديٍّ يقود لوقف الحرب، مُحدِثة بذلك شرخاً كبيراً في صفوف معسكر استمرار الحرب، خصوصاً بعد أن شارك وفد من “تأسيس” في مشاورات أديس أبابا التي شملت بدورها الحزب الشيوعي.
ورغم الدور السلبي الذي لعبته بعض أطراف الخماسية في هذه المشاورات، إلا أن المشاركين نجحوا في التوافق على 3 نقاط أساسية: وقف الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية، الحوار السوداني المفضي إلى حكم انتقال مدني، وأخيراً، وهي النقطة المحورية، توسيع المشاركة في هذا الحوار مع استثناء فلول النظام السابق والحركة الإسلامية.
لذلك لم يكن مستغرَباً أن يعقب هذا التوافق الواسع في الأهداف والأطراف من قبل القوى المدنية صدور بيان دولي مشترك بتاريخ 8 يونيو 2026 بشأن المسار السياسي في السودان.
حيث أصدرت حكومات الولايات المتحدة الأمريكية ودول ومنظمات بلجيكا وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا والنرويج والمملكة المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (الإيقاد) وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة بياناً بمناسبة اختتام المشاورات الخماسية مع الأطراف السياسية السودانية الفاعلة في أديس أبابا.
وأكد البيان الالتزام المشترك والراسخ تجاه شعب السودان، وبمستقبل سلمي وديمقراطي ومستقر للبلاد، فضلاً عن سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، والحاجة المُلحة لهدنة إنسانية تُفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار.
واعتبر البيان أن المبادئ التي تمخضت عنها مشاورات الخماسية تمثل خطوةً مهمة نحو تعزيز التنسيق الدولي ودعم مسار يقوده المدنيون نحو تسوية سلمية دائمة، في ظل القناعة بأن لا حل عسكرياً لهذه الأزمة، وأن الحل المستدام لا بد أن يرتكز على عملية سياسية شاملة بقيادة مدنية تعكس تطلعات الشعب السوداني.
لكن ما يميز هذا البيان عن غيره من البيانات السابقة تركيزه على أهمية تعزيز المسار المدني كركيزة أساسية في الجهود المبذولة لإنهاء الحرب، ووضع الأسس لعملية انتقال مدني ديمقراطية وشاملة، خالية من سيطرة أو تأثير أي طرف، ومستقلة عن الجماعات المتطرفة.
وأكد الموقعون دعمهم الكامل لمسار مدني سريع ومحدد زمنياً يفضي إلى انتقال مدني، مع نية مواصلة مراجعة وتقييم التقدم المحرز في تنفيذ المعايير المتفق عليها، مع ضمان هيكلة هذا الحوار بما يُمكّن من إنجازه بشكل عملي ومعقول وفي الوقت المناسب – في غضون ستة أشهر إن أمكن – وأن يُكمّل جهود السلام والانتقال الأوسع.
وشدد على أن المجتمع الدولي سينظر في اتخاذ التدابير المناسبة ضد من يسعون لتقويض عملية الانتقال لحكومة مدنية مستقلة، تقوم على الشرعية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان.
العقبات تنزاح الواحدة تلو الأخرى عن طريق الحل السلمي للأزمة في السودان، والظروف أضحت أكثر من مواتية للقوى المدنية لتعبئة أوسع قطاعات من الشعب السوداني حول خطوات وقف الحرب واستعادة الانتقال المدني الديمقراطي وعزل من يعملون على عرقلة هذا المسار.
لا للحرب.