البحث عن شرعية مفقودة

كشفت منصة بلومبيرغ الإخبارية معلومات، جرى تأكيدها من 3 مصادر دبلوماسية إقليمية وأمنية سودانية، عن اتصالات أجراها الجيش السوداني مع الولايات المتحدة الأمريكية لإبلاغها بأنه قد “قلص مشترياته من الأسلحة الإيرانية وأنه لم يعد يعتمد على إيران في الحصول على الأسلحة”، في إطار سعيه لكسب دعم الولايات المتحدة في المحادثات المقبلة لإنهاء الحرب الأهلية، وإثبات أنه شريك موثوق به في السلام.

ومن الواضح أن جهود قائد الجيش اصطدمت بمنظور شامل للأزمة السودانية لدى الإدارة الامريكية، التي لا تفصل بين العلاقة مع طهران وقرارها إعلان جماعة الإخوان المسلمين في السودان (الحركة الإسلامية وجناحها العسكري كتائب البراء بن مالك) “منظمة إرهابية”. 

وأوردت منصة بلومبيرغ رد متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية قال فيها إن الإسلاميين في السودان ما زالوا على صلة بإيران. وأضاف “يواصل الإسلاميون السودانيون عرقلة الجهود الرامية إلى التوصل لوقف إطلاق النار لإنهاء الحرب الدائرة، ويقيمون علاقات مع الحكومة الإيرانية، بما في ذلك الحرس الثوري الإسلامي، ويتلقون منها دعماً فنياً”. وأضاف المتحدث أن مقاتلي جماعة الإخوان المسلمين السودانيين ما زالوا يتلقون التدريب والدعم من الحرس الثوري الإيراني.

هذه التحركات تفسر التوتر المتصاعد بين الإسلاميين وقائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان، والحملات الإعلامية الواسعة التي تستهدفه في الآونة الأخيرة. فالحركة الإسلامية وفلول المؤتمر الوطني يعلمون تماما أن قائد الجيش لن يتوانى في التضحية بهم في مقابل مساومات قد تسمح ببقائه في قمة السلطة، وهو الهدف الوحيد الذي يعمل على تحقيقه.

قائد الجيش غير معني بشرعية حكمه داخلياً، والتي تستند إلى بندقيته الباطشة بعد أن أضاعها بانقلاب 25 أكتوبر 2021، لكنه يستخدم كل الأسلحة المتوفرة في حوزته للضغط على المجتمع الدولي للحصول على شرعية وقبول دولي، ما يجرده من أهم أسلحة هجومه على القوى المدنية عبر اتهامها بالاعتماد على الخارج.

وقف الحرب بالنسبة للفريق البرهان ليس طريقا لإنهاء معاناة السودانيين بعد 3 سنوات من القتال، بل ورقة مساومة للبقاء في السلطة.

وبذات النهج، يستخدم المساعدات الإنسانية كوسيلة للضغط على العالم المهموم بالأوضاع الإنسانية للاعتراف بشرعيته، غير آبهٍ بتوسع المجاعة والجوع وانتشار الأمراض، فغاية البقاء في السلطة تبرر إزهاق أرواح عشرات الآلاف من السودانيين.

على نفس الطريق، جاء إعلانه عن حوار سوداني سوداني يسيطر على أطرافه وأجندته ومخرجاته ويقوده إلى تتويجه على رأس الدولة، كما صرح بذلك بعض مناصريه من دعاة الحرب. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يتزامن هذا الإعلان مع بدء جهود المجتمع الدولي والخماسية في تحقيق تقدم ملموس يفتح الطريق أمام حكم مدني ديمقراطي. 

لكن الخبر الذي أوردته بلومبيرغ وزيارة وفد الاتحاد الأوروبي للخرطوم ولقائه بالبرهان أظهرا بوضوح أن المجتمع الدولي لديه أهداف واضحة: وقف الحرب، إيصال المساعدات الإنساني وحوار وطني شامل يستثني فلول النظام السابق ويقود إلى انتقال ديمقراطي بقيادة مدنية، وحرمان الأطراف العسكرية من أي مشاركة سياسية في المستقبل.

إذن مساومات قائد الجيش مع المجتمع الدولي، عبر تجزئة القضايا وربطها بمستقبله الشخصي، لم تجدِ في السابق، ولن تجديَ في المستقبل. وحتى لو نجح البرهان في إقناع المجتمع الدولي بالقبول بشخصه كأمر واقع، فإن ذلك لن يمنحه أي شرعية، لأن مصدر الشرعية في سودان اليوم هو ثوار ديسمبر وشعارات الثورة، حيث قمعت سلطة البرهان الحريات ووأدت السلام وأراقت ماء العدالة وأجهضت المدنية خيار الشعب.

لا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *