هل يمكن إنهاء الحرب من دونهم؟

الإسلاميون والدولة العميقة وحدود التسوية في السودان

تقرير خاص: (ديسمبر)

 

بينما تدخل حرب السودان عامها الرابع وسط واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، يتجه النقاش الدولي والإقليمي بشكل متزايد نحو ترتيبات “اليوم التالي”. إن هذا التحول من إدارة الحرب إلى هندسة السلام لا يبدو كافياً لتفكيك العقدة الأساسية التي صنعت الصراع وما تزال تغذيه: هل يمكن إنهاء الحرب من دون إعادة تعريف طبيعة الدولة نفسها؟.
فالسؤال حول مشاركة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني في أي تسوية مقبلة لا يظهر هنا كخلاف سياسي تقليدي حول الإقصاء أو الإدماج، بل كمدخل لإشكال أوسع يتعلق بمصدر السلطة في السودان، وبمن يملك أدواتها، وبالحدود الفاصلة بين الدولة بوصفها مؤسسة عامة وبينها بوصفها امتداداً لشبكات نفوذ تاريخية.

نماذج دولية

يستشهد بعض المدافعين عن إشراك الحركة الإسلامية بالتجربة الجنوب أفريقية بوصفها نموذجاً لانتقال لم يُبنَ على الإقصاء، حيث شارك حزب الأقلية البيضاء في مفاوضات ما بعد الفصل العنصري، ما أدى إلى تسوية تاريخية أصبحت مرجعاً دولياً في إدارة التحولات السياسية.
غير أن القيادي في تحالف القوى المدنية الديمقراطية «صمود» بابكر فيصل يرى أن هذا القياس يغفل الفارق الجوهري بين الحالتين. فنجاح التجربة الجنوب أفريقية لم يكن نتيجة مجرد إشراك الخصم، بل نتيجة قبول قيادة النظام نفسه —وعلى رأسها فردريك دي كليرك— بتفكيك منظومة الامتيازات التي تأسس عليها الحكم، والاندماج في دولة جديدة لا يتيح لأي طرف احتكار أدوات السلطة أو إعادة إنتاج التفوق المؤسسي.
ومن هذا المنظور، لا يعود النقاش متعلقاً بالمشاركة السياسية الشكلية، بل بمدى استعداد الحركة الإسلامية للتخلي عن البنية التي منحتها القدرة على التأثير داخل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والمدنية، والقبول بقواعد سياسية لا تمنح أي فاعل امتيازات بنيوية تعيده إلى موقع السيطرة عبر الدولة.

ويذهب فيصل أبعد من ذلك في تفكيك فكرة المقارنة مع التجربة الجنوب أفريقية، معتبراً أن الحالة السودانية أقرب إلى تجارب ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث ورثت أوكرانيا دولة مشبعة بشبكات الحزب الشيوعي والأجهزة السوفيتية التي ظلت فاعلة داخل الاقتصاد والمؤسسات. ورغم محاولات المصالحة، بقيت تلك الشبكات عنصراً معطلاً للتحول، إلى أن قادت التجربة لاحقاً إلى صدام سياسي انتهى بحل الحزب الشيوعي وحظر نشاطه.
وفي قراءته للحالة السودانية، يرى فيصل أن الحركة الإسلامية سلكت مساراً مشابهاً، إذ لم تكتفِ بإدارة الدولة خلال فترة حكمها، بل عمّقت وجودها داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية والبيروقراطية، ورفضت تفكيك هذا الامتداد بعد سقوطها، بل سعت —بحسب هذا التصور— إلى إعادة توظيفه لتعطيل مسار الانتقال المدني، وصولاً إلى انقلاب أكتوبر 2021 ثم الحرب في أبريل 2023.

مأزق التفاوض

لكن القيادي في تحالف القوى المدنية الديمقراطية «صمود» خالد عمر يطرح زاوية مختلفة. فبرأيه، الدعوات التي تربط إنهاء الحرب بإشراك المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية تنطوي على تناقض سياسي مباشر؛ إذ إن ربط التسوية بدور هذه القوى يعني ضمناً الاعتراف بأنها تمتلك تأثيراً حاسماً في استمرار الحرب أو وقفها.

ومن هنا يبرز سؤال آخر أكثر تعقيداً: كيف يمكن الجمع بين خطاب يرى الحرب نتيجة عوامل متعددة، وبين خطاب يجعل من أطراف بعينها شرطاً لإنهائها؟ وبالنسبة له، فإن هذا التناقض يكشف هشاشة بعض السرديات التي حاولت تفسير الحرب بمعزل عن بنية السلطة التي سبقتها، وعن التوازنات السياسية والعسكرية التي تشكلت خلال العقود الماضية.

يربط خالد عمر هذا الجدل بمسار ما بعد ثورة ديسمبر 2018، التي أطاحت بنظام المؤتمر الوطني وفتحت الباب أمام انتقال مدني لم يكتمل، قبل أن يُجهض بانقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم ينتهي إلى الحرب الحالية. وبناء على ذلك، فإن إعادة إدماج المؤتمر الوطني في أي تسوية مقبلة لا يمكن التعامل معها كخيار تقني لإيقاف الحرب، بل كسؤال سياسي يتعلق بالمسؤولية عن انهيار الانتقال الديمقراطي نفسه، وبالحدود التي يجب أن تُرسم بين المشاركة السياسية وإعادة إنتاج منظومة الحكم السابقة.

شروط المشاركة

من جانبها، ترى الصحفية والمحللة السياسية رشا عوض أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بمبدأ المشاركة أو الإقصاء، بل بالشروط التي تُبنى عليها العملية السياسية نفسها.
فبحسب هذا التصور، لا يمكن التعامل مع الحركة الإسلامية باعتبارها مجرد طرف سياسي عادي، دون النظر إلى طبيعة المشروع الذي حكمت به الدولة لعقود، وشبكات النفوذ التي ما تزال ممتدة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية. وتشير إلى أن الخطاب الذي تقدمه بعض القوى الإسلامية لا يعكس استعداداً للاندماج في نظام تعددي متكافئ، بقدر ما يعكس سعياً لإعادة التموضع داخل الدولة عبر الأدوات نفسها التي استُخدمت سابقاً، وليس عبر قواعد سياسية جديدة.

غير أن الجدل لا يتوقف عند حدود تحميل الحركة الإسلامية مسؤولية ما آلت إليه البلاد، أو المطالبة بإبعادها عن أي ترتيبات سياسية مقبلة. فثمة أصوات ترى أن نجاح أي تسوية مستدامة يتطلب التمييز بين المحاسبة السياسية والقانونية من جهة، والإقصاء الشامل من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، يطرح الكاتب والباحث المحبوب عبد السلام مقاربة تقوم على أن الأزمة السودانية لا يمكن معالجتها عبر استبعاد تيارات سياسية واجتماعية ظلت حاضرة في المجال العام لعقود، بقدر ما تتطلب إخضاع جميع القوى، بما فيها الحركة الإسلامية نفسها، لمراجعات سياسية وفكرية جادة.

ويقر عبد السلام بأن تجربة الإسلاميين في الحكم شهدت إخفاقات كبيرة وتجاوزات في ملفات الحقوق والحريات، وأن الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني لم ينجزا بعد المراجعات الكافية لتجربتهما، لكنه يرى في الوقت ذاته أن أي تسوية مستقرة ينبغي أن تقوم على العدالة الانتقالية والتوافق الوطني أكثر من اعتمادها على منطق الإقصاء المتبادل. ومن هذا المنظور، يصبح السؤال المطروح ليس ما إذا كانت بعض القوى ستشارك أو تُستبعد، وإنما ما إذا كانت جميع الأطراف مستعدة للقبول بقواعد سياسية جديدة تقوم على الديمقراطية والمساءلة وسيادة القانون، وتمنع استخدام مؤسسات الدولة كأداة للهيمنة أو الاحتكار السياسي.


مأزق السلام

وترى رشا عوض أن أي حديث عن إشراك الحركة الإسلامية في العملية السياسية لا يمكن فصله عن شروط واضحة تتعلق بالإصلاح الأمني والعسكري، وتفكيك التمكين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية، وضمان خضوع جميع الفاعلين لقواعد سياسية متساوية.
وفي هذا السياق، لا يُطرح السلام بوصفه تنازلاً لطرف أو مكافأة له، بل بوصفه عملية إعادة تأسيس للنظام السياسي نفسه، بحيث لا تعود الحرب نتيجة محتملة لبنية الدولة.
وتشدد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تقود إلى نظام ديمقراطي يقوم على الانتخابات وسيادة القانون والعدالة الانتقالية، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة.


الدولة أولاً

تكشف التجارب الدولية أن التحولات السياسية لا تفشل عادة بسبب نقص الاتفاقات، بل بسبب عجزها عن التعامل مع مراكز القوة التي نجت من انهيار الأنظمة. ففي بعض الحالات نجح الانتقال عندما قبلت النخب القديمة بقواعد جديدة تحد من امتيازاتها داخل الدولة. وفي حالات أخرى أدى بقاء شبكات النفوذ داخل المؤسسات إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.

ويرى المحلل السياسي محمد تورشين أن نجاح التسويات بعد النزاعات لا يرتبط فقط بإبعاد القوى المرتبطة بالأنظمة السابقة، بل بقدرة الدولة على إعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والمؤسسات العامة. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن الإقصاء الكامل قد يدفع بعض القوى إلى العمل خارج العملية السياسية، بينما يؤدي الإدماج غير المشروط إلى إعادة إنتاج موازين القوة القديمة، ما يجعل التحدي الحقيقي في وضع قواعد تضمن المشاركة السياسية مع منع احتكار مؤسسات الدولة. ومن هذا المنظور، لا يبدو التحدي السوداني محصوراً في الاختيار بين إدماج الإسلاميين أو إقصائهم، بل في كيفية بناء دولة تمنع احتكار السلطة، وفي الوقت نفسه لا تعيد إنتاج الإقصاء كأداة سياسية دائمة.

في نهاية المطاف، لا يدور الجدل حول حق الحركة الإسلامية في العمل السياسي بقدر ما يدور حول طبيعة الدولة التي سيُمارس داخلها هذا العمل. فبين من يرى أن السلام يمر عبر تفكيك شبكات النفوذ التي تشكلت خلال العقود الماضية، ومن يحذر من أن الإقصاء الشامل قد يفتح الباب أمام دورات جديدة من الصراع، يظل التحدي الحقيقي في بناء دولة تقوم على مؤسسات محايدة وقواعد سياسية متساوية للجميع.

وهكذا يتجاوز السؤال حدود مشاركة الإسلاميين أو استبعادهم إلى قضية أكثر عمقاً: كيف يمكن تأسيس نظام سياسي يمنع احتكار السلطة ويخضِع جميع الفاعلين، القدامى والجدد، لقواعد واحدة؟.

فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان السودان يتجه نحو سلام يعيد تأسيس الدولة على أسس جديدة، أم نحو تسوية مؤقتة تؤجل أسباب الأزمة إلى جولة أخرى من الصراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *