واشنطن تفرض عقوبات إضافية على السودان على خلفية استخدام أسلحة كيميائية

واشنطن: (ديسمبر)

 

أعلنت الولايات المتحدة في السابع عشر من يوليو عن فرض عقوبات إضافية على السودان على خلفية مزاعم بأن الجيش السوداني قد استخدم أسلحة كيميائية في حربه مع قوات الدعم السريع. وقد دخلت تلك العقوبات حيز التنفيذ يوم الاثنين 20 يوليو عام 2026م. وتشمل العقوبات قيوداً اقتصادية ومالية وتجارية تُلزم الولايات المتحدة بمعارضة القروض الدولية والمساعدات المالية والفنية المقدمة للسودان، مع استثناء المساعدات الغذائية الأساسية والمعونات الإنسانية العاجلة.  وقد فُرضت هذه العقوبات بموجب “قانون الرقابة على الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحروب لعام 1991”.

وقالت الإدارة الأمريكية إن الحكومة السودانية أخفقت في الامتثال لمتطلبات قانون الرقابة على الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على أسلحة الحرب في غضون المهلة المحددة بثلاثة أشهر، وأن السودان قد انتهك اتفاقية الأسلحة الكيميائية من خلال نشر أسلحة كيميائية في عام 2024، علماً بأن السودان قد صادق على الاتفاقية في عام 1999. ولم تقدم واشنطن أي تفاصيل حول مكان أو توقيت وقوع الهجمات الكيميائية.

وقد رفضت الحكومة السودانية تلك العقوبات ووصفتها بأنها إجراءات أحادية وغير قانونية. وجاء في بيان أصدرته وزارة الخارجية السودانية أن “على الولايات المتحدة اتباع الإجراءات القانونية الدولية المرعية والوفاء بالتزاماتها الثنائية عبر تقديم أي أدلة تؤيد تلك المزاعم”. واتهمت الوزارة واشنطن بتجاوز الآليات الدولية المعترف بها وتقويض الشرعية الدولية بفرضها ما وصفته بإجراءات غير قانونية تستند إلى “ادعاءات كاذبة” ضد القوات المسلحة السودانية. وجددت الحكومة إنكارها لمزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية مؤكدة أنها لا أساس لها وتعتمد على مصادر إعلامية مجهولة. وقالت الوزارة إن السودان أبدى استعداده للتعاون بشكل إيجابي مع الولايات المتحدة للتحقيق في هذه الادعاءات من خلال الإجراءات الفنية وإجراءات التحقق المناسبة.

وكانت تقارير صحفية نشرتها العام الماضي كل من (نيويورك تايمز، فرانس برس) قد أوردت بأن الجيش السوداني أسقط في العام 2024 عدة براميل من غاز الكلورين على مصفاة النفط بالجيلي ومناطق أخرى، وقد تم ذلك “بتوجيهات مباشرة من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان”. وفي العام 2016 واجه الجيش السوداني اتهامات مماثلة حين اتهمت منظمة العفو الدولية قوات الحكومة والميليشيات المتحالفة معها باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في دارفور. وقد رفضت الحكومة السودانية هذه الاتهامات مراراً ووصفتها بأنها “لا أساس لها من الصحة”، ورفضتها باعتبارها “ذات دوافع سياسية”.

 

تفاصيل العقوبات

 

“عملاً بالمادة 307 (ب) من قانون الرقابة على الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحروب لعام 1991 (البند 22 من القانون الأمريكي، المادة 5605(ب))، قرر وكيل وزارة الخارجية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي، بتاريخ 23 يونيو 2026، فرض عقوبات إضافية على السودان. ونتيجة لذلك، تُفرض بموجب هذا العقوبات الإضافية التالية:

  1. المساعدات عبر بنوك التنمية متعددة الأطراف:

تعارض حكومة الولايات المتحدة، وفقاً للمادة 701 من قانون المؤسسات المالية الدولية (البند 22 من القانون الأمريكي، المادة 262 د)، منح أي قرض أو مساعدة مالية أو فنية للسودان.

وقد قرر وكيل وزارة الخارجية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي أن من المصالح الجوهرية للأمن القومي للولايات المتحدة التنازل عن تطبيق هذه العقوبة على القروض أو المساعدات المالية أو الفنية المقدمة للسودان والتي تخدم الاحتياجات الإنسانية الأساسية لمواطنيه.

  1. قيود إضافية على التصدير:

تُستخدم الصلاحيات المنصوص عليها في المادة 6 من قانون إدارة الصادرات لعام 1979 لحظر تصدير جميع السلع والتقنيات الأخرى إلى السودان (باستثناء المواد الغذائية والسلع والمنتجات الزراعية الأخرى).

وقد قرر وكيل وزارة الخارجية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي أن من المصالح الجوهرية للأمن القومي للولايات المتحدة التنازل عن تطبيق هذه العقوبة فيما يتعلق بالبنود غير المدرجة في قائمة مراقبة التجارة (CCL). كما تم التنازل جزئياً عن القيود للسماح بالترخيص لصادرات أو إعادة تصدير السلع أو التقنيات المدرجة في قائمة مراقبة التجارة (CCL) إلى السودان ضمن الفئات التالية:

استثناءات الترخيص:

يمكن الترخيص لصادرات وإعادة تصدير السلع أو التقنيات المدرجة في قائمة مراقبة التجارة بموجب استثناءات الترخيص CCD وGOV وENC وBAG وTMP وRPL وTSU وACE، على النحو الموضح في الجزء 740 من البند 15 من اللوائح الفيدرالية.

 

سلامة الطيران:

يمكن الترخيص لصادرات وإعادة تصدير السلع أو التقنيات المدرجة في قائمة مراقبة التجارة بموجب تراخيص جديدة عندما يكون ذلك ضرورياً لسلامة طيران الطيران المدني للركاب ذي الأجنحة الثابتة، شريطة أن تُصدر هذه التراخيص بما يتسق مع سياسة تراخيص التصدير للسودان السارية قبل تاريخ هذا القرار.

 

الصادرات/إعادة التصدير النظرية:

يمكن الترخيص لصادرات وإعادة تصدير السلع أو التقنيات المدرجة في قائمة مراقبة التجارة بموجب تراخيص جديدة للصادرات وإعادة التصدير النظرية لصالح المواطنين السودانيين، شريطة أن تُصدر هذه التراخيص بما يتسق مع سياسة تراخيص التصدير للسودان السارية قبل تاريخ هذا القرار.

 

الفروع المملوكة بالكامل لشركات أمريكية وأجنبية:

يمكن الترخيص لصادرات وإعادة تصدير السلع أو التقنيات المدرجة في قائمة مراقبة التجارة بموجب تراخيص جديدة للصادرات وإعادة التصدير إلى الفروع المملوكة بالكامل لشركات أمريكية وأجنبية في السودان، شريطة أن تُصدر هذه التراخيص بما يتسق مع سياسة تراخيص التصدير للسودان السارية قبل تاريخ هذا القرار.

أما طلبات التراخيص لجميع الصادرات أو إعادة التصدير أو عمليات النقل (داخل البلاد) الأخرى لبنود مدرجة في قائمة مراقبة التجارة إلى السودان، فستتم مراجعتها وفق مبدأ “افتراض الرفض”.

وتظل صادرات السلع والتقنيات الحساسة للأمن القومي إلى السودان خاضعة للعقوبات المنصوص عليها في المادة 307(أ)(5) من القانون، على النحو الموصوف في إشعار السجل الفيدرالي الصادر بتاريخ 27 يونيو 2025. واتساقاً مع ما سبق، ستتم مراجعة جميع التراخيص الأخرى لتصدير وإعادة تصدير ونقل (داخل البلاد) السلع والتقنيات الحساسة للأمن القومي وفق مبدأ “افتراض الرفض”.

 

  1. إجراءات بشأن الطيران:

تتخذ وزارة النقل جميع الخطوات اللازمة لتعليق صلاحية شركات الطيران الأجنبية المملوكة أو الخاضعة لسيطرة حكومة السودان لمزاولة النقل الجوي الأجنبي من أو إلى الولايات المتحدة.

وتتولى الإدارات والوكالات المعنية في حكومة الولايات المتحدة تنفيذ هذه التدابير، وستظل سارية المفعول لمدة عام واحد على الأقل وحتى إشعار آخر.

العقوبات.. أبعادها وتداعياتها المحتملة

العقوبات الأمريكية الجديدة استهدفت بشكل مباشر النظام المالي وقطاعات حيوية أخرى في خطوة ستعيد البلاد تدريجياً إلى دائرة العزلة الاقتصادية. وتُلقي هذه العقوبات بظلال قاتمة على الاقتصاد السوداني المنهك، حيث ستتفاقم العزلة المصرفية الدولية عبر قطع صلة المصارف الوطنية بالنظام المصرفي العالمي وتعطيل التحويلات الرسمية، مما قد يدفع السودان بصورة أكبر نحو استخدام بدائل مثل التسويات باليوان. ويتزامن ذلك مع حظر تقني يطال برامج “السوفت وير” سينعكس مباشرة على البنية التحتية المصرفية والمعدات والبرمجيات مما سيعقد تحديث نظم الدفع الوطنية مثل (EBS) والسويتش الوطني أو حتى صيانة الأنظمة القائمة. ويمتد الأثر ليشمل تجفيف منابع التمويل الدولي عبر ‘الفيتو’ الأمريكي على القروض والضمانات الائتمانية، وهذا يعني إغلاق أي مسار لإعادة هيكلة الديون أو الحصول على تسهيلات من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي.  ويُتوقع أن تؤثر العقوبات سلباً على قدرة الحكومة على حشد التمويل الخارجي اللازم لتنفيذ خطط إعادة الإعمار وإعادة بناء ما دمرته الحرب.

ويشمل الحظر كذلك قطع غيار الطائرات والمعدات الثقيلة ذات المنشأ الأمريكي، وهو ما يهدد بشلل قطاعات النقل والخدمات الحيوية. وتتجلى التداعيات المعيشية في الانهيار المتسارع لقيمة الجنيه السوداني وتصاعد معدلات التضخم المفرط، مما سيفاقم النقص الحاد في السلع الأساسية كالقمح والدواء والوقود. وبذلك لن ينحصر أثر الحزمة العقابية في تجفيف موارد تمويل الحرب، بل سيمتد ليؤثر سلباً على المواطن الذي لطالما تحمل العبء الأكبر للعقوبات المفروضة على بلاده وعلى مدى عقود خلت. فهذه العقوبات ستزيد من معاناة المواطنين وتفاقم الأزمة المعيشية وتُضعف قدرة المواطن الشرائية وتسهم في ارتفاع معدلات الفقر. كل ذلك سيدفع الدولة للبحث عن بدائل اقتصادية معقدة ومكلفة لتجاوز جدار العزلة الدولية الذي تفرضه هذه العقوبات.

وعلى الصعيدين الدبلوماسي والقانوني، تأتي هذه الحزمة الجديدة من العقوبات لتضع السودان أمام تحدٍ دبلوماسي وقانوني هو الأشد تعقيداً منذ عقود، حيث تجاوزت الضغوط الأمريكية حدود الإدانات السياسية لتصل إلى مرحلة الحصار المالي والتقني الممنهج بموجب قوانين صارمة لمكافحة أسلحة الدمار الشامل. وبينما تحاول واشنطن الموازنة بين ‘مصالح الأمن القومي’ واستثناء الاحتياجات الإنسانية الأساسية لتجنب تفاقم الأزمة المعيشية، فإن مبدأ ‘افتراض الرفض’ الذي بات يحكم الصادرات الحساسة وتكنولوجيا الطيران، يضيق الخناق بشكل غير مسبوق على قدرات الدولة السودانية ويزيد من عزلتها الدولية. ومع إصرار الخرطوم على نفي هذه المزاعم جملة وتفصيلاً ومطالبتها بأدلة ملموسة تتجاوز التقارير الإعلامية، يبقى ملف الأسلحة الكيميائية ورقة ضغط استراتيجية قد تغير مسار النزاع الحالي وتفتح الباب أمام إجراءات دولية أكثر صرامة تحت مظلة الأمم المتحدة.  ورغم أن هذه العقوبات أحادية الجانب وليست ذات صفة دولية، إلا أن الولايات المتحدة غالباً ما ستدفع أطرافاً أخرى إلى الالتزام بها مما سيعمق من آثارها السلبية.

** كريستوفر ت. يو: مساعد الوزير- ديوان ضبط الأسلحة ومنع انتشارها- وزارة خارجية الولايات المتحدة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *