بنك السودان المركزي: مأزق الحرب وأشياء أخرى

تقارير: (ديسمبر)

بطبيعة الحال تكون المؤسسات الاقتصادية الرسمية دائماً في مقدمة المؤسسات المتأثرة بالحرب. غير أن البنك المركزي في السودان دفعته الحرب، وظروف أخرى، إلى تعقيدات يصعب حلها في بلد يعاني تدهور اقتصادي وتشوهات مالية منذ عقود. وتسبب الوضع الاقتصادي في الإطاحة بحكومة الدكتاتور المعروف عمر حسن البشير بعد أن حكم السودان بقبضة حديدية لمدة 30 عاماً.

إلا أن الاقتصاد السوداني استمر في التدهور بعد تحولات محدودة نحو التعافي في الأشهر الأخيرة للحكم المدني لرئيس الوزراء المستقيل الدكتور عبدالله حمدوك. إذ شهد سعر الصرف استقراراً نسبياً، وشرعت بيوت تمويل دولية في مساعدة السودان للتحرر من القبضة الاقتصادية التي أحكمت خناقها عليه. لكن، لسوء حظ السودان، فإن الانقلاب – الذي وقع في 25 أكتوبر 2021 بقيادة الجنرالين الفريق أول عبد الفتاح البرهان والفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) – أوقف هذا التعافي، وعادت الأزمة الاقتصادية أسوأ مما كانت عليه في الماضي.

 

ضخ الدراهم.. دعاية إعلامية

انتشر خبر ضخ بنك السودان المركزي مبلغ (400) مليون درهم إماراتي للبنوك التجارية بشكل كثيف على وسائط التواصل الاجتماعي. سبق هذا الإجراء تدهور مريع في سعر الجنيه السوداني، حتى بلغ في السوق السوداء (5600) جنيه مقابل الدولار، (117) جنيهاً مقابل الجنيه المصري، وكان قبل الحرب (460) جنيهاً مقابل الدولار، و(11) جنيهاً مقابل الجنيه المصري.

وينظر محللون اقتصاديون إلى إعلان بنك السودان ضخ الدرهم الإماراتي للبنوك التجارية على أنه محض “دعاية إعلامية” وليس إجراءً اقتصادياً ذا قيمة في معالجة تدهور سعر العملة المحلية، لجهة أن المبلغ لا يتعدى (110) ملايين دولار، وهو مبلغ محدود، لا يكفي لاستيراد حاجة البلاد من الوقود والقمح لمدة شهر واحد، بحسب إحصائيات البنك المركزي نفسه. وعلى الرغم من تراجع حجم استيراد القمح بعد الحرب إلا أنه عاود الارتفاع مؤخراً، إذ تكشف الإحصاءات أن السودان استورد العام الماضي (3.5) ملايين طن، ويتوقع بحسب منظمة الفاو أن ترتفع الحاجة للحبوب هذا العام ومن المتوقع أن يستورد ما بين (5) ملايين، و(4.5) مليون طن. وبحساب الوقود والسلع الغذائية ومواد البناء يصبح المبلغ الذي ضخه بنك السودان متواضعاً للغاية، خاصة أن الحرب أجبرت السودان على استيراد كل احتياجاته من الخارج.

 

عقوبات وحصار

ليست الحرب وحدها التي عقدت وضع الاقتصاد والبنك المركزي في السودان، ولكن انقلاب (البرهان – حميدتي) سبقها، فقد جرَّ على السودان تجميد عضويته في الاتحاد الأفريقي، وتوقف القروض والاتفاقيات المالية الدولية والمساعدات. غير أن المأزق الأكبر تمثل في العقوبات الاقتصادية الأمريكية والدولية التي فرضت على السودان بعد الحرب، وكان جلها ذا طابع اقتصادي صادرة عن الخزانة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وكندا.

ومن أكثر العقوبات الاقتصادية تأثيراً تلك التي فرضت مؤخراً وتتعلق بجبريل إبراهيم، الذي لم يعد بكامل صلاحياته وزيرا للمالية في حكومة الأمر الواقع، ثم جاءت العقوبات التي فرضت على شركات تتبع لمنظومة الصناعات الدفاعية وتجميد أموالها، وهي شركات حكومية ذات تأثير وثقل اقتصادي كبير. وعلى الرغم من محاولة حكومة الأمر الواقع التقليل من تأثير العقوبات على الاقتصاد غير أن الآثار مع الوقت أصبحت تتضح، ومن بينها تراجع القروض والمساعدات الاقتصادية، والتي انعكست على مستوى احتياطي العملات الصعبة في البنك المركزي الكافية للاستيراد، وضعف العلاقات الاقتصادية مع المجتمع الدولي بسبب العقوبات واستمرار الحرب معاً.

 

الحرب والجهاز المصرفي

أدت الحرب إلى إشكالات اقتصادية عميقة في النظام المصرفي بدءاً من الأصول وانتهاء بالتعثر الكبير في الوفاء بالالتزاماات بسبب عجز العملاء عن سداد مديونيات البنوك بعد الحرب. وبحسب تقارير بنكية وتقارير صادرة عن بنك السودان تعد نسبة تعثر البنوك الحكومية والتجارية هي الأعلى في العقود الأخيرة. وأكد الخبير المصرفي عبد المنعم الطيب، في ورقة بحثية عن النظام المصرفي في ظل الحرب ضعف المراكز المالية للمصارف، وضعف إيرادات الخدمات التي تقدمها، وتركيز العملاء على عمليات السحب والإيداع. كاشفاً عن تراجع حجم أصول المصارف السودانية، وضعف إيرادات التمويل والاستثمار، وانحسار عمليات السداد وتصفية العمليات القائمة ودخول بعضها ضمن دائرة التعثر والحاجة إلى أصول نقدية ضخمة لإعادة إعمار الفروع المتأثرة بالحرب. وارتفع العجز في التحصيل  للمستحقات إلى 72%، وهذا ما دفع البنك المركزي إلى طباعة مزيد من النقد لتغطية حاجة المصارف التجارية والتزمات الحكومة، مستفيداً من تغيير العملة الذي سمح بطباعة أحجام أكبر من الكميات المتداولة في السوق، الأمر الذي انعكس على سعر الصرف وأسعار السلع التي شهدت تضخماً غير مسبوق بحسب خبراء اقتصاديين مما زاد التحديات والتعقيدات التي يعاني منها بنك السودان المركزي.

 

استثناء الإمارات العربية

من التعقيدات التي فرضتها الحرب على بنك السودان تدهور العلاقات بين حكومة الأمر الواقع ودولة الإمارات العربية. ومعلوم أن الإمارات كانت بوابة اقتصادية شديدة الأهمية للسودان خلال الفترات الماضية، ولعبت دوراً محورياً في تقليل آثار العقوبات الاقتصادية على نظام عمر البشير. وفي الاجتماع الذي عقد الاثنين الماضي بين محافظة البنك المركزي  آمنة ميرغني ورئيس اتحاد المصارف عباس عبدالله، قالت إن البنك سيستمر في ضخ النقد الأجنبي، وجاء في البيان “إن المحافظة آمنة ميرغني حسن التوم عقدت اجتماعاً مع مديري عموم المصارف العاملة بالبلاد بمقر رئاسة البنك بولاية الخرطوم، وقدمت تنويراً حول جهود البنك في تحقيق الاستقرار بسوق النقد الأجنبي عبر ضخ العملات الأجنبية للمصارف لتلبية احتياجات المستوردين”.

غير أن البيان أشار إلى نقطة غاية في الأهمية تتعلق بفتح قنوات مراسلة جديدة أو بديلة للإمارات، وورد في البيان أن “المحافظة أكدت العمل على إقامة علاقات مراسلة مصرفية مع سلطنة عُمان ودولة قطر والمملكة العربية السعودية، بما يدعم حركة التبادل التجاري عبر الجهاز المصرفي الرسمي”.

كان لقطع العلاقة الاقتصادية مع الإمارات آثار مباشرة على عمليات الاستيراد وسيتسمر إلى حين ترتيب نقاط المراسلة بحسب وعد المحافظة. غير أن مصادر أكدت لـ(ديسمبر) أن علاقات كبار المستوردين والمصدرين لا تزال متواصلة مع الإمارات العربية وخاصة مستوردي الوقود ومصدري الذهب. وقال مصدر إن “معظم شركات استيراد الوقود لديها تعاملات مع دولة الإمارات وشركات وقود إماراتية، كما أن الإمارات لا تزال أكبر أسواق الذهب السوداني”.

ومن التعقيدات الرئيسية التي يشهدها البنك المركزي والعلاقة مع الإمارات الموقف من بنك النيلين، وهو بنك مملوك لبنك السودان بنسبة 99%، ويعد فرع بنك النيلين هو جسر العلاقة المالية مع البنوك الخارجية، وظل يعتمد عليه بنك السودان في جميع المعاملات واستلام الأموال التي تخص حكومة السودان مع الدول والشركات العالمية. وقد شهد البنك إشكالات عديدة منذ اندلاع الحرب، واحتجزت السلطات الإماراتية عدداً من موظفيه، وعدداً من رجال الأعمال السودانيين الذين تسلموا أموالاً لها علاقة بالحكومة الحالية في السودان، خاصة الأموال ذات الصلة بمنظومة الصناعات الدفاعية.

 

الإعلام وحده لا يكفي

اقتصاد مأزوم، وإشكالات كارثية تواجه النظام المصرفي، مع انعدام رؤية اقتصادية حقيقية، واستمرار الحرب تجعل أوضاع البنك المركزي غاية في التعقيد. ولا يكفي التضخيم الإعلامي لمعالجة أزمات حقيقة. إذ من المعلوم أن الحرب تسببت في توقف الإنتاج وتقليل الصادرات النفطية والسلع التي توفر العملات الصعبة، وفتحت الأبواب للتهريب في ظل انشغال حكومة الأمر الواقع بالحرب، وخروج أجزاء من السودان وحدوده من نطاق سلطاتها، لذا يرى الخبراء أن التحسن الاقتصادي يرتبط مباشرة بإيقاف الحرب. وأكد الخبير الاقتصادي ووزير المالية السابق إبراهيم البدوي في ورقة بحثية “أن التردي الاقتصادي وتدهور سعر الصرف ومأزق بنك السودان سيستمر مع استمرار الحرب، وأن المعالجات تحتاج إلى وقت بعد إيقاف الحرب”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *