سلام يريده المجتمع… وأطراف متحاربة ما تزال تبحث عن طريق إليه
تقرير خاص: (ديسمبر)
لو كانت الحروب تُحسم باستطلاعات الرأي، لكانت الحرب السودانية قد انتهت منذ زمن طويل. إذ يؤيد 93.2% من المشاركين في مسح وطني شمل 1,686 سودانياً عبر عشرة محاور بحثية الدخول في مفاوضات سلام، بينما يدعم 74.3% منهم وقفاً فورياً لإطلاق النار، وهي نسبة تقترب من الإجماع في بلد مزقته الحرب، وتكشف عن فجوة واضحة بين المزاج الشعبي ومسار الصراع السياسي.
غير أن أهمية هذه النتائج لا تنحصر في حجم التأييد الشعبي للسلام، وإنما تمتد إلى ما تكشفه عن طبيعة الأزمة السودانية نفسها؛ إذ تشير الدراسة إلى أن الرغبة الشعبية في إنهاء الحرب تبدو أوسع بكثير من قدرة الفاعلين السياسيين والعسكريين على تحويلها إلى عملية سياسية قابلة للحياة.
وقد لا تكمن قيمة هذه الدراسة في رقم بعينه، بقدر ما تكمن في الطريقة التي تتقاطع بها نتائجها. فعبر محاور التفاوض والعدالة والإصلاح الأمني والاقتصاد، يتكرر نمط واحد في اتجاهات الرأي العام، يجمع بين تأييد واسع لإنهاء الحرب ورفض للعودة إلى الأوضاع التي أفضت إليها، في تصور أكثر اتساعاً لشروط سلام مستدام يقوم على إصلاح المؤسسات والمساءلة واستعادة الدولة لوظائفها.
ومن هذا المنطلق، تطرح نتائج الاستطلاع سؤالاً أعمق من مجرد موقف السودانيين من الحرب: لماذا لا ينعكس هذا الإجماع الشعبي على مسار التسوية السياسية؟
وللإجابة عن هذا السؤال، يستند التقرير إلى دراسة أجرتها مجموعة (المناصرة من أجل السلام في السودان (AGPS))، شملت مسحاً لـ1,686 مشاركاً داخل السودان وفي عدد من دول اللجوء، إضافة إلى مراجعة تقارير ودراسات دولية تناولت مسارات السلام والعدالة الانتقالية والإصلاح الأمني.
فجوة الثقة
تكشف النتائج مفارقة تستحق التوقف عندها. ففي الوقت الذي يؤيد فيه 93.2% من المشاركين التفاوض، لا يعبر سوى 14.4% منهم عن ثقة عالية في أي اتفاق سلام محتمل، فيما يقول 28.9% إنهم لا يثقون في اتفاقات السلام إطلاقاً، ليهبط متوسط الثقة العام إلى 2.71 من 5 فقط.
وقد يعكس هذا التناقض تراجع الثقة في الطريقة التي أُديرت بها عمليات السلام خلال العقود الماضية، أكثر مما يعكس رفضاً لفكرة السلام في ذاتها. ويتسق ذلك مع التجربة السودانية الممتدة منذ اتفاق أديس أبابا للسلام، مروراً باتفاقية نيفاشا للسلام الشامل واتفاقيات سلام دارفور، فالوثيقة الدستورية واتفاق جوبا والاتفاق الإطاري، وصولاً إلى الحرب الحالية؛ فقد تعاقبت الاتفاقات جيلاً بعد جيل، بينما تآكلت الثقة في قدرتها على تغيير الواقع.
وتتقاطع هذه النتائج مع أدبيات تناولت الأزمة السودانية خلال السنوات الأخيرة؛ إذ أشارت تقارير صادرة عن (مجموعة الأزمات الدولية) و(معهد الولايات المتحدة للسلام) إلى أن تعثر مسارات السلام ارتبط مراراً بضعف التنفيذ وغياب الضمانات واستمرار تعدد مراكز القوة المسلحة، أكثر من ارتباطه بندرة المبادرات السياسية.
كما تتقاطع مع مسار الجهود السياسية الجارية؛ فوثائق اطلعت عليها وكالة (رويترز) كشفت أن أحدث مقترح أمريكي لوقف الحرب حظي بقبول مبدئي من الجيش لمعظم بنوده، قبل أن يتعثر عند الخلاف حول شروط انسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي تسيطر عليها، وهو ما يعكس أن العقبات التي تواجه مسارات التفاوض ترتبط بالخلاف حول شروط التنفيذ وترتيباته العملية، أكثر من ارتباطها بغياب المبادرات نفسها.
وإذا كانت الثقة في الاتفاقات بهذا الضعف، يبرز سؤال تالٍ: هل غيّرت تجربة الحرب نفسها مواقف السودانيين من السلام؟
العنف والسلام
من أكثر نتائج الدراسة دلالة أن الفئات الأكثر تضرراً من الحرب جاءت هي الأكثر دعماً لإنهائها. فقد سجل النازحون داخلياً مستويات أعلى في تأييد التفاوض مقارنة بالمقيمين واللاجئين والمغتربين، كما ارتفع دعم وقف إطلاق النار بوضوح بين المتأثرين مباشرة بالحرب.
وتظهر البيانات أن التعرض المباشر للعنف يدفع الناس نحو تأييد الحلول السياسية بدرجة أكبر من دفعه إياهم نحو التشدد، في مؤشر يعكس تحولاً في ديناميكيات الرأي العام تحت ضغط الواقع الميداني.
وتتقاطع هذه النتيجة مع ما وثقته تقارير (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP) و(منظمة الهجرة الدولية IOM)، والتي تشير إلى أن المجتمعات الأكثر تضرراً من النزاعات غالباً ما تصبح الأكثر مطالبة بإنهائها، لأن كلفة استمرار الحرب تتحول بالنسبة إليها إلى مسألة بقاء يومي، تتجاوز حدود الموقف السياسي المجرد.
ويمتد هذا التحول إلى ما هو أبعد من تفضيل وقف القتال، ليطال إعادة ترتيب الأولويات داخل المجتمعات المتأثرة بالنزاع؛ إذ تشير برامج الأمم المتحدة العاملة في السودان إلى أن المجتمعات المحلية الأكثر تضرراً تميل إلى التركيز على استعادة الخدمات الأساسية وسبل كسب العيش وآليات التعايش المحلي، باعتبارها شروطاً لازمة للاستقرار، لا مجرد نتائج تترتب عليه لاحقاً.
غير أن تأييد إنهاء الحرب وحده لا يجيب عن سؤال ظل حاضراً في كل تجارب السلام السودانية: ماذا عن المساءلة؟.
السلام والعدالة
من أكثر الحجج تداولاً في النزاعات المسلحة أن السلام يتطلب تأجيل العدالة، إلا أن الدراسة ترسم صورة مغايرة؛ إذ يطالب نحو 90% من المشاركين بمحاسبة المسؤولين عن الحرب، في مقابل 9% فقط أيدوا العفو الشامل.
وفي الوقت نفسه، فضّل المشاركون العدالة الوطنية (38.5%) والعدالة الهجينة (38.8%) على العدالة الدولية منفردة، في مؤشر على أن غالبيتهم لا تنظر إلى السلام والعدالة باعتبارهما خيارين متعارضين، وإنما كمسارين متكاملين.
وتأتي هذه النتيجة في سياق أوسع داخل أدبيات العدالة الانتقالية، التي تشير إلى أن تجاهل المساءلة قد يسهم في وقف القتال على المدى القصير، دون أن يضمن بالضرورة سلاماً مستداماً على المدى الأبعد. ويتزامن ذلك مع استمرار التحقيقات الدولية في الجرائم المرتكبة في دارفور، حيث أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أخيراً إحراز تقدم في ربط الانتهاكات بمستويات قيادية، بما يعكس أن ملف المساءلة ما يزال جزءاً حياً من المشهد السياسي والقانوني للنزاع، وليس قضية مؤجلة إلى ما بعد الحرب.
وإذا كانت المساءلة تتعلق بالماضي، فإن منع تكرار الحرب يرتبط بسؤال آخر: ما شكل المؤسسات التي ستتولى حماية الدولة مستقبلاً؟.
في ذات الوقت يرى 87.8% من المشاركين أن الجيش انخرط في العمل السياسي، بينما يؤيد أكثر من 83% منهم إعادة هيكلة شاملة للمؤسسة العسكرية أو إصلاحها، ودمج القوات المختلفة ضمن مؤسسة أمنية وطنية واحدة.
وتشير هذه النتائج إلى أن الدعوات إلى إصلاح القطاع الأمني تحظى بتأييد واسع بين المشاركين في الاستطلاع، متجاوزة بذلك الخطاب السياسي الذي طالما اقتصر على بعض القوى المدنية. ويتقاطع ذلك مع أدبيات الإصلاح الأمني التي طورتها الأمم المتحدة والبنك الدولي، والتي تربط بين بناء السلام المستدام وقيام مؤسسات أمنية موحدة وخاضعة للمساءلة المدنية.
غير أن إعادة بناء مؤسسات الدولة لا تنفصل عن إعادة بناء حياة الناس اليومية، وهو ما يفسر أهمية الأولويات الاقتصادية في نتائج الدراسة.
الاقتصاد أولاً
تكشف الدراسة أيضاً أن 82.5% من المشاركين يرون أن العوامل الاقتصادية كانت سبباً مهماً في اندلاع الحرب، غير أن الأولويات الاقتصادية التي طرحها المشاركون جاءت مختلفة عن الخطابات الرسمية السائدة؛ إذ احتلت استعادة الخدمات الأساسية المرتبة الأولى، تلتها عودة النازحين، ثم دعم الزراعة والإنتاج المحلي، قبل مكافحة الفساد.
ويعكس هذا الترتيب أن السودانيين ينظرون إلى التعافي الاقتصادي بوصفه عملية تبدأ بإعادة الحياة اليومية، قبل أن تنشغل بإصلاح المؤشرات المالية، في رؤية تضع الإنسان قبل الأرقام.
ولا تنفصل هذه الأولويات عن الواقع المعيشي الذي فرضته الحرب؛ فقد أظهرت دراسة مشتركة أجراها (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP) و(المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية IFPRI) على الأسر الحضرية السودانية أن النزاع أدى إلى تراجع حاد في فرص العمل، وتعطل التعليم، وانخفاض الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، ما جعل استعادة الخدمات العامة وسبل كسب العيش المدخل الأكثر إلحاحاً للتعافي بالنسبة للسكان، قبل أي إصلاحات اقتصادية كلية. وتنسجم هذه الأولويات مع تقديرات البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، التي تؤكد أن إعادة بناء الخدمات والإنتاج المحلي تمثل نقطة الانطلاق لأي تعافٍ اقتصادي مستدام بعد النزاعات.
غير أن إعادة الإعمار ليست مسألة اقتصادية محضة، بل ترتبط أيضاً بكيفية فهم السودانيين لجذور الأزمة نفسها.
من النتائج اللافتة أن المشاركين لم يضعوا التدخلات الخارجية في صدارة تهديدات وحدة السودان، إذ تصدّرت الخطابات القبلية والجهوية هذا التصنيف، تلاها التهميش وعدم المساواة، ثم الحروب المسلحة نفسها، فيما أيد 93.4% منهم مفهوم المواطنة الشاملة والمتساوية.
وتشير هذه النتائج إلى أن المشاركين يضعون العوامل الداخلية في صدارة مصادر التهديد لوحدة البلاد، بخلاف سرديات سياسية تركز بصورة أكبر على التدخلات الخارجية.
وإذا كانت الانقسامات الداخلية تمثل مصدر القلق الأكبر، فإن البيئة الإعلامية أصبحت إحدى الساحات التي يُعاد فيها إنتاج هذه الانقسامات.
من النتائج اللافتة في الدراسة أن التعرض المتكرر لخطاب الكراهية ارتبط بارتفاع دعم السلام؛ فالأشخاص الذين يتعرضون يومياً لخطاب الكراهية أظهروا دعماً أكبر للمفاوضات مقارنة بمن لم يتعرضوا له.
ولا يعني ذلك أن خطاب الكراهية مفيد، وإنما قد يشير إلى أن من عاشوا الاستقطاب والعنف بصورة مباشرة أصبحوا أكثر إدراكاً لكلفته، وبالتالي أكثر ميلاً إلى إنهائه.
غير أن الدراسة تحذر في الوقت نفسه من أن 77.9% من السودانيين يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً للأخبار، بينما يعتمد 40.5% منهم على مصدر واحد فقط، وهو ما يزيد من قابلية انتشار المعلومات المضللة وغرف الصدى الرقمية.
وتنسجم هذه النتيجة مع توصيف متزايد للصراع السوداني بوصفه حرباً تدور أيضاً في الفضاء الرقمي، حيث أصبحت المعلومات المضللة والروايات المتنافسة جزءاً من ديناميكيات النزاع. وقد حذرت (اليونسكو) و(معهد رويترز) في دراسات سابقة من أن البيئات الإعلامية المنقسمة قد تُطيل أمد النزاعات إذا غابت مصادر المعلومات الموثوقة.
الشعب والسياسة
لا تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تقيس اتجاهات الرأي العام فحسب، بل في أنها تكشف قدراً لافتاً من الاتساق بين مواقف السودانيين عبر ملفات التفاوض والعدالة والإصلاح الأمني والتعافي الاقتصادي؛ فعلى الرغم من تنوع الخلفيات الجغرافية والاجتماعية للمشاركين، تتقاطع النتائج حول تصور متقارب لشروط إنهاء الحرب.
وتشير هذه الصورة إلى أن التحدي لم يعد معرفة ما يريده السودانيون، بقدر ما هو قدرة الفاعلين السياسيين والعسكريين على بناء مسار تفاوضي يستجيب لهذه الأولويات. فالفجوة التي تكشفها الدراسة ترتبط بقدرة العملية السياسية على استيعاب المزاج الشعبي، أكثر من ارتباطها باتجاهات هذا المزاج نفسه.
كما لا تبدو هذه الفجوة ناتجة عن غياب المبادرات السياسية بقدر ما ترتبط بطبيعة الصراع نفسه. فوفق تحليلات حديثة لـ(مجموعة الأزمات الدولية)، ما تزال حسابات المكاسب العسكرية، وتعدد مراكز القرار، وتباين أولويات الوسطاء، تحدّ من فرص تحويل المبادرات السياسية إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، حتى في ظل اتساع التأييد الشعبي لإنهاء الحرب.
وإذا كانت نتائج هذا الاستطلاع تعكس اتجاهاً عاماً في المجتمع السوداني، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد ما إذا كان السودانيون يريدون السلام، وإنما: لماذا ما تزال السياسة عاجزة عن ترجمة هذا الإجماع إلى واقع؟. وحتى تجد هذه المعادلة إجابتها، ستبقى الحرب مستمرة، رغم أن أغلب السودانيين حسموا موقفهم منها منذ زمن طويل.