كيف أصبح الذهب شريان اقتصاد الحرب في السودان؟

تقرير – إيمان فضل السيد

 

لم يكن قرار الاتحاد الأوروبي بحظر شراء واستيراد ونقل الذهب السوداني مجرد إجراء اقتصادي يتعلق بتجارة أحد أهم الموارد الطبيعية في البلاد، بل جاء في سياق محاولة دولية للحد من مصادر تمويل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.

فالذهب الذي ظل لعقود يُنظر إليه باعتباره فرصة اقتصادية للسودان ومصدرًا محتملًا لإنعاش اقتصاده، تحول خلال سنوات الحرب إلى أحد أبرز موارد اقتصاد الصراع، تستخدمه أطراف القتال للحصول على السيولة اللازمة لتمويل العمليات العسكرية وتوفير الاحتياجات اللوجستية للمقاتلين.

وتكمن خصوصية الذهب في أنه مورد مختلف عن موارد القطاعات الاقتصادية الأخرى؛ فهو عالي القيمة، سهل النقل، سريع التحويل إلى نقد، كما أن الطلب العالمي عليه يجعله سلعة يمكن تداولها حتى في البيئات التي تفتقر إلى الاستقرار والرقابة. وهذه الخصائص جعلته موردًا جذابًا في اقتصاد الحرب، حيث تصبح السيطرة على الموارد المالية جزءًا من القدرة على الاستمرار في القتال.

وتشير بيانات وتقارير دولية إلى أن السودان يمتلك واحدًا من أكبر قطاعات إنتاج الذهب في القارة الأفريقية، حيث بلغ الإنتاج المعلن خلال عام 2025 نحو 70 طنًا، بينما لم تتجاوز الكميات التي مرت عبر القنوات الرسمية للتصدير نحو 14 طنًا، وهي فجوة أثارت تساؤلات حول مصير الكميات المتبقية ودور شبكات التجارة غير الرسمية في نقل الذهب خارج البلاد.

وبينما تؤكد السلطات السودانية أهمية الذهب كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي، تشير تقارير دولية إلى أن جزءًا كبيرًا من إنتاج الذهب يغادر خارج الأطر الرسمية، مستفيدًا من اتساع الحدود، وضعف الرقابة، وتشابك مناطق السيطرة العسكرية، الأمر الذي جعله أحد أهم الملفات المرتبطة بتمويل الحرب.

ويقول المحلل السياسي فائز السليك إن الذهب أصبح منذ فقدان السودان لعائدات النفط بعد انفصال جنوب السودان عام 2011 موردًا استراتيجيًا، قبل أن تتضاعف أهميته مع اندلاع الحرب، حيث تعتمد أطراف النزاع على عائداته في تمويل احتياجاتها العسكرية.

أما المحلل الاقتصادي عصام علي فيرى أن خصائص الذهب الاقتصادية جعلته موردًا مثاليًا في ظل الحرب، فهو سلعة مطلوبة عالميًا، ولا يحتاج إنتاجه وتسويقه إلى البنية التحتية المعقدة التي تتطلبها قطاعات أخرى مثل النفط أو الصناعة.

لكن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بحجم الذهب الذي ينتجه السودان، بل بكيفية تحوله من مورد طبيعي يمكن أن يدعم الاقتصاد إلى شريان مالي يغذي استمرار الحرب.

فكيف أصبح الذهب أحد أهم مصادر تمويل الصراع في السودان؟.

 

كيف تحول الذهب إلى أهم مورد لاقتصاد الحرب؟

 

في بيئة مضطربة تحكمها الحرب مع انهيار كامل لمؤسسات الدولة، أصبح الذهب موردًا رئيسًا في اقتصاد الحرب السوداني، ليس بسبب حجم إنتاجه فقط، وإنما بسبب مجموعة من الخصائص التي جعلته أكثر قدرة من غيره من الموارد على توفير السيولة.

فالذهب سلعة ذات قيمة مرتفعة مقارنة بحجمها، ويمكن نقلها وتخزينها وتحويلها إلى أموال بسرعة، كما أن أسواقه العالمية مفتوحة أمام المنتجين والتجار، وهي عوامل جعلته موردًا جذابًا للأطراف المتحاربة التي تحتاج إلى تمويل مستمر لتغطية تكاليف العمليات العسكرية والاحتياجات اليومية للقوات.

ويرى المحلل الاقتصادي عصام علي أن اعتماد أطراف الصراع على الذهب يرتبط بعدة عوامل، من بينها أنه سلعة مرغوبة عالميًا وتدخل ضمن احتياطيات النقد الأجنبي للدول، إضافة إلى سهولة إنتاجه مقارنة بقطاعات أخرى تحتاج إلى استقرار وبنية تحتية واسعة. كما يشير إلى أن السودان يمتلك احتياطات كبيرة من الذهب، ويحتل موقعًا متقدمًا في إنتاجه على المستويين العربي والأفريقي، الأمر الذي جعله موردًا متاحًا يمكن استغلاله في ظروف الحرب.

وتزداد أهمية الذهب في الحالة السودانية بسبب التراجع الحاد الذي أصاب القطاعات الاقتصادية الأخرى منذ اندلاع الحرب. فقد تضررت الزراعة والصناعة والتجارة، وتعطلت مسارات الإنتاج والتصدير التقليدية، بينما ظل الذهب قادرًا على الحركة عبر شبكات متعددة، رسمية وغير رسمية، وهو ما جعله أحد الموارد القليلة التي ما زالت توفر تدفقات مالية في اقتصاد منهك.

ويشير المحلل السياسي فائز السليك إلى أن الذهب اكتسب أهميته كمصدر لتمويل الصراعات منذ فقدان السودان جزءًا كبيرًا من عائداته النفطية بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، قبل أن تتعاظم هذه الأهمية مع الحرب الحالية. ووفقًا له، أصبحت عائدات الذهب تستخدم لتغطية احتياجات أساسية للحرب، تشمل شراء السلاح، وتوفير الوقود، والغذاء، ودفع مستحقات المقاتلين.

لكن أهمية الذهب في اقتصاد الحرب لا تكمن فقط في الأموال التي يوفرها، بل في الطريقة التي تُدار بها هذه التجارة خارج إطار الدولة. فكلما ضعفت المؤسسات الرقابية واتسعت مناطق السيطرة العسكرية، أصبحت السيطرة على الموارد الطبيعية جزءًا من السيطرة على الأرض نفسها، وتحول الذهب من قطاع اقتصادي إلى أداة نفوذ سياسي وعسكري.

وتشير تقديرات وتقارير دولية إلى وجود فجوة كبيرة بين حجم الإنتاج الفعلي والكميات التي تظهر في السجلات ؛الرسمية. ففي الوقت الذي تشير فيه بعض البيانات إلى إنتاج السودان نحو 70 طنًا من الذهب خلال عام 2025، لم يتجاوز الصادر الرسمي نحو 14 طنًا، ما يعكس حجم التحدي المرتبط بمراقبة حركة هذا المورد وتتبع مساراته.

هذه الفجوة لا تعني فقط خسارة اقتصادية لخزينة الدولة، بل تكشف عن وجود اقتصاد موازٍ تستفيد منه شبكات مختلفة، من الوسطاء وتجار الذهب إلى الجهات التي تسيطر على طرق النقل ومناطق الإنتاج، وهو ما جعل الذهب أحد العوامل التي تساعد على استمرار الحرب بدلًا من أن يكون مصدرًا لتمويل إعادة الإعمار والتنمية.

لكن تحول الذهب إلى مورد للحرب لم يكن نتيجة وجوده فقط، بل نتيجة الصراع على السيطرة عليه. فمن يسيطر على الذهب في السودان؟.

 

من يسيطر على الذهب في السودان؟

 

لا تبدأ السيطرة على الذهب السوداني عند لحظة استخراجه من باطن الأرض فقط، كما أنها لا تنتهي عند تصديره إلى الخارج. فالقيمة الحقيقية لهذا المورد تكمن في السيطرة على سلسلة كاملة تبدأ من مناطق التعدين، مرورًا بمراكز التجميع والمعالجة، وصولًا إلى طرق النقل والمعابر التي يعبر من خلالها إلى الأسواق.

وتشير تقارير دولية إلى أن خريطة السيطرة على الذهب في السودان أصبحت مرتبطة إلى حد كبير بخريطة النفوذ العسكري التي تشكلت خلال الحرب. فالمناطق المنتجة للذهب تقع في نطاقات جغرافية متعددة، تخضع بدرجات مختلفة لسيطرة أطراف النزاع، بينما يظل قطاع التعدين التقليدي منتشرًا في مناطق واسعة يصعب إخضاعها لرقابة مركزية كاملة.

في المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية، خصوصًا في ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر، تتركز نسبة مهمة من النشاط التعدينى المنظم، بما في ذلك الشركات العاملة في التعدين الصناعي ومراكز معالجة مخلفات التعدين، إضافة إلى ارتباط هذه المناطق بموانئ التصدير في البحر الأحمر.

أما في مناطق نفوذ قوات الدعم السريع، خصوصًا في إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، فقد ارتبط النفوذ بقطاع التعدين التقليدي، ومن أبرز المناطق التي اكتسبت أهمية استراتيجية منطقة جبل عامر في شمال دارفور، التي ظلت لسنوات واحدة من أشهر مناطق إنتاج الذهب في البلاد.

لكن السيطرة على الذهب لا تعني بالضرورة امتلاك المنجم فقط. فطبيعة قطاع التعدين السوداني تجعل الحلقات الأكثر أهمية أحيانًا تقع خارج موقع الإنتاج نفسه. فالتعدين الأهلي، الذي يمثل النسبة الأكبر من إنتاج الذهب، يعتمد على شبكة واسعة من المعدنين والوسطاء والتجار ومراكز الشراء، وهي شبكة يصعب ضبطها في ظل اتساع الرقعة الجغرافية وضعف مؤسسات الدولة بسبب الحرب.

وهنا تظهر أهمية ما أشار إليه المحلل السياسي فائز السليك عن الدور الذي تلعبه شبكات السماسرة وتجار الذهب والجهات المستفيدة من غياب الرقابة، إذ إن استمرار تدفق الذهب لا يعتمد فقط على من يسيطر على مناطق الإنتاج، بل أيضًا على من يملك القدرة على تحريك الذهب وبيعه وإيصاله إلى الأسواق.

وتجعل هذه الطبيعة المعقدة قطاع الذهب مختلفًا عن موارد أخرى. فالنفط، على سبيل المثال، يحتاج إلى منشآت وبنية تحتية محددة يمكن مراقبتها أو استهدافها، بينما يمكن للذهب أن يتحرك بكميات صغيرة وعبر مسارات متعددة، ما يمنح شبكات التجارة غير الرسمية قدرة أكبر على العمل في بيئة الحرب.

ولهذا أصبحت السيطرة على الذهب جزءًا من معادلة القوة في السودان؛ فامتلاك النفوذ على مناطق التعدين أو مراكز التجميع أو طرق العبور يعني امتلاك مصدر محتمل للسيولة، وهي السيولة التي تتحول في اقتصاد الحرب إلى قدرة على شراء الاحتياجات العسكرية والاستمرار في القتال.

لكن إذا كانت السيطرة على مناطق الإنتاج تمثل الحلقة الأولى في هذه السلسلة، فإن السؤال الأهم يبقى: كيف يغادر الذهب السودان؟ وكيف تتحول هذه الثروة الطبيعية إلى أموال متداولة خارج البلاد؟.

 

هل تنجح العقوبات الأوروبية في تجفيف منابع تمويل الحرب؟

 

يمثل قرار الاتحاد الأوروبي بحظر شراء واستيراد ونقل الذهب السوداني، إضافة إلى تقييد تصدير المواد المستخدمة في استخلاصه مثل الزئبق والسيانيد، محاولة لاستهداف أحد أهم مصادر التمويل التي يُعتقد أنها تساعد أطراف النزاع على مواصلة الحرب.

ولا يأتي هذا القرار بمعزل عن مسار دولي أوسع بدأ خلال السنوات الماضية، حيث اتجهت دول ومنظمات دولية إلى التركيز على ما يعرف بـ”ذهب النزاعات”، أي الموارد الطبيعية التي تتحول عائداتها إلى مصدر لتمويل الصراعات المسلحة بدلًا من أن تكون عاملًا للتنمية والاستقرار.

وتستند أهمية استهداف الذهب إلى حقيقة أن هذا القطاع أصبح أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في السودان، في وقت تراجعت فيه معظم الموارد الاقتصادية الأخرى بفعل الحرب. لذلك فإن أي قيود على حركة الذهب، سواء عبر منع شرائه أو تشديد الرقابة على سلسلة توريده، يمكن أن تؤثر على قدرة الشبكات المرتبطة باقتصاد الحرب على تحويل المعدن إلى سيولة مالية.

ويرى المحلل الاقتصادي عصام علي أن القرار الأوروبي يمكن أن يشكل ضغطًا على أطراف الصراع إذا كان جزءًا من سياسة دولية جادة تهدف إلى تجفيف موارد الحرب، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن العقوبات قد تستخدم أحيانًا كأداة ضغط لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية أوسع، وليس بالضرورة أن تؤدي وحدها إلى إنهاء تدفقات الذهب.

وتكمن صعوبة تطبيق هذه الإجراءات في طبيعة تجارة الذهب نفسها؛ فكلما كانت السلسلة التجارية معقدة، وكلما تعددت طرق العبور، أصبح تتبع مصدر الذهب أكثر صعوبة. كما أن شبكات التجارة غير الرسمية التي نشأت خلال سنوات الحرب قد تحاول التكيف مع القيود الجديدة عبر تغيير طرق النقل أو استخدام وسطاء وأسواق بديلة.

ولهذا فإن نجاح العقوبات لا يعتمد فقط على إصدار القرار، بل على قدرة المجتمع الدولي على مراقبة سلسلة التوريد بأكملها، بدءًا من مناطق الإنتاج، مرورًا بمراكز التجميع، ووصولًا إلى المصافي والأسواق النهائية. فالمشكلة ليست في الذهب كمعدن، وإنما في غياب الشفافية حول مصدره والجهات المستفيدة من عائداته.

كما أن أي مقاربة طويلة المدى تحتاج إلى معالجة جذور المشكلة داخل السودان نفسه، من خلال بناء مؤسسات قادرة على إدارة قطاع التعدين، وتنظيم نشاط المعدنين التقليديين، ووضع آليات واضحة لتتبع الإنتاج والتصدير، بحيث لا يبقى الذهب موردًا خارج سيطرة الدولة.

فالعقوبات قد تضيق مساحة الحركة أمام اقتصاد الحرب، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا ظلت البيئة التي تسمح بعمل شبكات التهريب قائمة. فالمعركة الحقيقية ليست فقط منع خروج الذهب، وإنما استعادة السيطرة على القطاع وتحويله من مورد للصراع إلى مورد للتعافي الاقتصادي.

وبينما يحاول المجتمع الدولي وقف تدفق الذهب المرتبط بالحرب، يبقى السؤال الأوسع: هل يستطيع السودان بعد انتهاء الصراع أن يستعيد هذه الثروة من قبضة اقتصاد الحرب ويعيد توجيهها نحو بناء الدولة؟.

 

هل يمكن استعادة الذهب من مرحلة “الذهب الدامي”إلى الداعم للسلام؟

 

يمثل الذهب في السودان مفارقة قاسية؛ فهو واحد من أهم الموارد الطبيعية التي كان يمكن أن تشكل رافعة للتنمية ودعم الاقتصاد الوطني، لكنه تحول خلال سنوات الحرب إلى أحد أبرز مصادر تمويل الصراع، وأصبح جزءًا من اقتصاد موازٍ تحكمه شبكات المصالح والنفوذ العسكري.

ولعل المشكلة لا تكمن في الذهب نفسه، بل في البيئة التي أحاطت به؛ ضعف المؤسسات، وغياب الرقابة، واتساع شبكات التهريب، وتحول الموارد الطبيعية إلى أدوات تستخدمها أطراف النزاع لتعزيز قدرتها على الاستمرار.

ولهذا فإن إنهاء الدور الذي يلعبه الذهب في تمويل الحرب لن يتحقق فقط عبر العقوبات أو القيود التجارية، رغم أهميتها، بل يحتاج إلى إعادة بناء قطاع التعدين على أسس مختلفة، تقوم على الشفافية، وتتبع سلسلة الإنتاج، وتنظيم التعدين التقليدي، وضمان وصول عائدات هذا المورد إلى الاقتصاد الرسمي بدلًا من بقائها خارج مؤسسات الدولة.

ويختصر المحلل السياسي فائز السليك هذه المفارقة بوصفه المرحلة الحالية بأنها مرحلة “الذهب الدامي”، حيث تحول المعدن الذي كان يمكن أن يكون مصدرًا للرخاء إلى مورد يرتبط بمعاناة السودانيين واستمرار الحرب.

وبينما تتواصل المعارك حول الأرض والنفوذ، يبقى الذهب أحد ميادين الصراع الأقل ظهورًا، لكنه الأكثر تأثيرًا في قدرة الحرب على الاستمرار. فالمعركة الحقيقية بعد توقف القتال لن تكون فقط حول من يسيطر على المناجم، بل حول ما إذا كان السودان قادرًا على استعادة موارده من اقتصاد الحرب وإعادتها إلى مسار بناء الدولة والتنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *