ملف استخباراتي سري يُعزز الأدلة على استخدام أسلحة كيميائية في السودان

اختراق هواتف البرهان وكبار الضباط في القوات المسلحة السودانية والأجهزة الأمنية

عواصم: (ديسمبر)

 

كشفت تحقيقات صحفية أمريكية، نشرتها صحيفتا “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”، عن أدلة جديدة تعزز الاتهامات بوجود برنامج عسكري سوداني سري لتطوير واستخدام أسلحة قائمة على غاز الكلور ضد قوات الدعم السريع كانت عاملاً أساسياً في ترجيح كفة الجيش الميدانية في معارك الخرطوم. ويعتمد التحقيقان على ملف سري أعدته “جهة استخباراتية من منطقة الشرق الأوسط”، يرجح أنها المخابرات الإسرائيلية، يضم نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ورسالة صوتية، إضافة إلى آلاف الرسائل النصية والمحادثات الهاتفية التي جرى التنصت عليها، ويُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن السودان يخضع لمراقبة استخباراتية دقيقة ومستمرة جمعت أدلة وبيانات وإثباتات هي الأخطر منذ بداية الحرب.

ويركز تحقيق “نيويورك تايمز”، الذي نُشر في 4 سبتمبر تحت عنوان “ملف سري يضيف إلى الأدلة على استخدام أسلحة كيميائية في السودان”، على التفاصيل التشغيلية للمشروع. وتشير الوثائق إلى أن العميد طارق حسين اقترح استخدام الكلور لتحقيق أفضلية في معركة الخرطوم، معتبراً أن هذه القنابل وسيلة ناجعة لإثارة الذعر وإجبار قوات الدعم السريع والقناصة على مغادرة مواقعها المحصنة. وقال العميد طارق حسين إن هذه الذخيرة ” يمكن أن تقتل قوات العدو إما عبر تمزيقها بالشظايا أو عبر تسميمها بغاز الكلور”. وتظهر المراسلات أن العميد طارق حسين وزّع مخططات لذخيرة تجمع بين رأس متفجر ونحو 15 كيلوغراماً من الغاز، وأشرف اعتباراً من يوليو 2024 على مصنع لإنتاج هذه الذخائر.

وبحسب التحقيق، أقلعت طائرة من مطار مروي في 22 يوليو لاختبار الذخيرة، وهو اختبار وُصف لاحقاً بأنه ناجح. وتظهر مقاطع مصورة ما يبدو أنه اختبارات لقنابل كيميائية، إذ يظهر بعد الانفجار بخار أصفر قالت مصادر وخبراء إنه يتوافق مع غاز الكلور. وتتحدث الوثائق عن تسرب للغاز داخل المنشأة وإصابة عاملين بالاختناق. كما أظهر أحد المقاطع ضحية تبدو مصابة بحروق شديدة في الجلد، وأُرسل الفيديو إلى مسؤول عسكري مع عبارة ساخرة هي: “هذا من طبخك”!

وبحلول أكتوبر، تحدثت المراسلات عن تصنيع نحو 300 ذخيرة وتخزين معظمها في مطار مروي، إضافة إلى استيراد 20 أسطوانة كلور من مصر قيل إنها تكفي لصنع نحو 1100 قنبلة. وتبرز الصحيفة أيضاً أن بعض الكلور ربما أُخذ من محطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان، والتي تلقت إمدادات من منظمات إغاثة دولية لتنقية المياه ومواجهة الكوليرا، مما يطرح تساؤلات حول تحويل المساعدات الإنسانية إلى أدوات حرب.

أما تحقيق “واشنطن بوست”، الذي نُشر في 5 سبتمبر بعنوان “كَمٌّ كبير من الوثائق يكشف عن مخزون مزعوم من الأسلحة الكيميائية في السودان”، فيركز على حجم المخزون وآثاره المحتملة. وقد راجع فريق الصحيفة المواد مع أكثر من 24 مسؤولاً استخباراتياً غربياً وخبيراً في الأسلحة الكيميائية، الذين اعتبروا أن الوثائق تقدم أدلة موثوقة ومقلقة. وتحدث التحقيق عن مخزون يصل إلى 290 ذخيرة وقوائم لأهداف يمكن أن يخترقها الغاز ومقاطع فيديو تظهر بخاراً أصفر بعد الانفجار. وتضيف الصحيفة أن خبراء الأدلة الرقمية فحصوا التسجيلات والصور ولم يجدوا مؤشرات واضحة على التلاعب بها.

وتتفق الصحيفتان على أن الملف يُوسع نطاق الأدلة السابقة، التي شملت اتهامات أمريكية باستخدام أسلحة كيميائية في 2024 وتقارير عن هجمات قرب مصفاة الجيلي. وتشير الصحيفتان أيضاً إلى محاولات إخفاء البرنامج بعد صدور الاتهامات الأمريكية، حيث تضمنت التعليمات الصادرة عن الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى العميد طارق حسين “إزالة جميع آثار” أنشطة المشروع.

ورداً على هذه الاتهامات شكّل الفريق البرهان لجنة داخلية للتحقيق ضمت في عضويتها العميد طارق حسين – مخطط ومنفذ المشروع- وأصدرت اللجنة تقريراً أولياً في يوليو ينفي وجود أي أثر لأسلحة كيمائية.

لكن الملف الأمني الذي نشرته الصحيفتان يتضمن رسائل صوتية ونصية للفريق أول عبد الفتاح البرهان والعميد طارق حسين تشتمل على كل أنشطة المشروع من بداية التخطيط وحتى مرحلة التنفيذ، وصولاً إلى رسالة الفريق البرهان التي يطلب فيها إزالة آثار المشروع. ويتضمن الملف الأمني كذلك رصد واختراق هواتف كبار الضباط في القوات المسلحة السودانية والأجهزة الأمنية.

هذا وخلُصت الصحيفتان إلى أن تحويل مواد مخصصة للمياه إلى أدوات حرب قد يحمّل المسؤولين عن التوريد والتخزين مسؤوليات إضافية، ولكن لا بد من الوصول إلى مواقع الإنتاج أو بقايا الذخائر أو الشهود للجزم بطبيعة المواد ومكان استخدامها. وأضافت أن السودان طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وتبقى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الجهة الأهم لإجراء تحقيق مستقل يُحدد ما إذا كان الكلور قد استُخدم كسلاح، ومن أصدر الأوامر، وكيف جرى تأمين المواد والمخزون.

 

صمت تام في الخرطوم

في مواجهة هذه التسريبات في اثنتين من كبريات الصحف الأمريكية، اختارت سلطة قائد الجيش الصمت التام، ولم يصدر أي تعليق رسمي من جانبها بشأن هذه الاتهامات المعززة بالأدلة والبراهين.

ورغم محاولات بعض المناصرين للجيش لتغطية هذا الفراغ ومحاولة ربط هذه التسريبات بدولة الإمارات وصدور تقرير لجنة الخبراء، إلا أن الصمت الرسمي في مواجهة هذه الاتهامات الخطيرة يترك الكثير من علامات الاستفهام، خصوصًا أن السودان ما يزال يتمتع بعضوية المكتب التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية ومقرها في لاهاي.

وكانت حكومة الفريق البرهان قد كشفت في وقت سابق عن تقديم لجنة التحقيق التي شكلتها للنظر في هذه الاتهامات لتقرير أولي ووعدت بأن تقدم اللجنة تقريرها النهائي في وقت قريب دون أن يصدر هذا التقرير حتى الآن، ورغم مرور أكثر من عام على صدور هذه الاتهامات بعد أن كانت التسريبات الأولى قد نشرتها صحيفة نيويورك تايمز في يناير 2025.

 

تصعيد أمريكي

بدأت القضية في مايو 2025، عندما أعلنت الولايات المتحدة عن فرض عقوبات على السودان بعد اتهام القوات المسلحة باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب مع قوات الدعم السريع عام 2024. وشملت تلك الإجراءات فرض قيود على الصادرات الأمريكية إلى السودان، وتقييد وصول الحكومة السودانية إلى خطوط الائتمان الحكومية الأمريكية.

وفي 29 مايو2025، أصدر الفريق عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، قراراً بتشكيل لجنة وطنية للتحقيق في الاتهامات الأمريكية، ضمت ممثلين عن وزارتي الخارجية والدفاع وجهاز المخابرات العامة، وكُلِّفت بإجراء تحقيق ورفع تقرير بشكل عاجل بشأن الاتهامات. الملفت أن اللجنة ضمت في عضويتها العميد طارق حسين الذي تتهمه الإدارة الامريكية بإدارة برنامج غاز الكلور.

وفي يوليو من نفس العام 2025، أكد السودان خلال مشاركته في الدورة الـ109 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي تعامله مع الاتهامات الأمريكية بجدية وشفافية، وقالت الخارجية آنذاك إن الحكومة شرعت في اتخاذ إجراءات للتعامل معها، في حين أبدى الجانب الأمريكي استعداده لتزويد الخرطوم بالمعلومات المتعلقة بالاتهامات.

 

نفي متكرر

الواضح أن حكومة الفريق البرهان ورغم تشكيلها للجنة تحقيق وطنية، إلا أنها اختارت إنكار هذه الاتهامات وفي نفس الوقت لم تعلن عن أي إجراءات تسمح بموجبها لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بأداء دورها في التحقق من هذه الاتهامات.

فحتى بعد إعلان العقوبات الأمريكية في يوليو 2025، جددت وزارة الخارجية السودانية رفضها للعقوبات الجديدة، وقالت إنها تستند إلى مزاعم باطلة بشأن استخدام القوات المسلحة السودانية أسلحة كيميائية خلال الحرب.

وأكدت الوزارة، في بيان، رفضها العقوبات الأحادية وغير القانونية التي فرضتها الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن الاتهامات سبق أن نفتها الحكومة، وأنها ظهرت بداية في وسائل إعلام استناداً إلى مصادر مجهولة. وأضافت أن السودان لا ينتج أو يمتلك أو يستخدم الأسلحة الكيميائية، ويلتزم بتقديم الإخطارات الدورية المنصوص عليها بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وأوضحت الخارجية السودانية أن الحكومة تعاملت عبر قنوات اتصال فنية مع الجانب الأمريكي للاطلاع على المعلومات التي استندت إليها واشنطن، مجدِّدة استعدادها للتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وغيرها من الجهات الدولية المختصة للتحقق من المزاعم وفق الأطر القانونية والفنية.

 

محامو الطوارئ يعبرون عن قلقهم إزاء هذه الاتهامات

صدر العديد من ردود الفعل عن القوى المدنية السودانية وفي مقدمتها محامو الطوارئ، حيث أصدروا بياناً بتاريخ 6 سبتمبر عبروا فيه عن قلقهم البالغ إزاء التقارير والتحقيقات المنشورة بشأن استخدام القوات المسلحة السودانية المزعوم لغاز الكلور السام في سياق العمليات العسكرية الجارية منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، ولا سيما الوقائع المبلَّغ عنها في محيط مصفاة الجيلي شمال الخرطوم خلال سبتمبر 2024.

وتؤكد المجموعة أن إمكاناتها الحالية لا تتيح لها إجراء التحاليل المختبرية والفحوص الفنية اللازمة لإثبات نوع المادة المستخدمة أو تحديد المسؤولية الجنائية الفردية بصورة قاطعة. وأكد البيان أن هذه المزاعم تأتي في سياق سجل طويل من الانتهاكات المرتبطة بالنزاعات في السودان، بما في ذلك القصف الجوي للمناطق المأهولة، والهجمات العشوائية أو غير المتناسبة، واستهداف المدنيين والأعيان المدنية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، ما يؤكد أهمية عدم تركها دون تحقق مستقل، ولا سيما في ظل استمرار الحرب وغياب المساءلة عن انتهاكات سابقة.

وطالب محامو الطوارئ بإجراء تحقيق فني دولي مستقل وعاجل للتحقق من مزاعم استخدام غاز الكلور أو غيره من المواد الكيميائية السامة في العمليات العسكرية بالسودان، وفحص الأدلة والمعلومات المتاحة وفق المعايير الدولية. وتمكين الخبراء الدوليين من الوصول الآمن وغير المشروط إلى المواقع المعنية، وفحص بقايا الحاويات والذخائر والطائرات ووسائل الإطلاق، ومقابلة الشهود والضحايا بصورة مستقلة وآمنة.

ودعا البيان القوات المسلحة السودانية للتعاون الكامل مع أي تحقيق مختص، والكشف عن السجلات ذات الصلة باستيراد وحيازة وتخزين ونقل واستخدام الكلور والمواد الكيميائية ذات الصلة، وعن الوحدات التي كانت تدير العمليات الجوية في المواقع والتواريخ محل التحقيق، وضمان حماية المواقع والأدلة المادية والوثائق والسجلات والأدلة الرقمية من العبث أو النقل أو الإتلاف، والحفاظ عليها وفق المعايير الدولية لسلسلة الحيازة، مع توفير الحماية للشهود والضحايا.

وطالب محامو الطوارئ بنشر نتائج التحقيق بشفافية، بما يشمل تحديد طبيعة المادة المستخدمة، ومواقع وتواريخ استخدامها، ووسائل إيصالها، والوحدات المنفذة، وسلسلة القيادة، وتحديد المسؤولين عن إصدار الأوامر أو تنفيذها أو إخفاء الأدلة، متى أثبتت الأدلة ذلك.

 

الأسلحة الكيميائية ليست موضوع سجال سياسي

من جانبه، أعلن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) أنه تابع بقلق بالغ ما نشرته صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» من تحقيقات مدعومة بوثائق وصور ومقاطع فيديو ورسائل، تشير إلى أن القوات المسلحة السودانية أنشأت برنامجاً سرياً لإنتاج وتخزين ذخائر محملة بغاز الكلور واستخدمتها في الحرب، وأن قيادات عسكرية عليا، وفي مقدمتها قائد القوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، كانت على علم مباشر بالبرنامج وشاركت لاحقاً في محاولة محو آثاره. كما أورد التقريران اتهامات بتحويل أسطوانات كلور مخصصة لتنقية مياه الشرب، وصلت عبر برامج أممية ومنظمات إغاثة دولية لخدمة المدنيين، إلى الاستخدام العسكري.

ونوه التحالف في بيان بتاريخ 7 سبتمبر 2026 أن هذه المعلومات ذات خطورة بالغة إذ توثق لإنتاج وتخزين واستخدام سلاح محظور دولياً، وهو أمر لا يجوز التعامل معه كمادة للسجال السياسي، ولا يفيد الإنكار في مواجهته، فاستخدام الأسلحة الكيميائية جريمة حرب وانتهاك صارخ لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وتحويل مواد جاءت لإنقاذ الأرواح إلى أدوات للقتل يمثل جريمة مضاعفة بحق الشعب السوداني، واختراق كبير للقانون الإنساني الدولي.

ودعا البيان منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى الشروع العاجل في تحقيق تقني مستقل وشفاف، مع تمكين خبرائها من الوصول دون قيود إلى المواقع والوثائق والشهود وتحديد المسؤوليات تمهيداً لمحاسبة كل من يثبت تورطه.

 

إلزامية التحقيق الدولي

تمترس حكومة الفريق البرهان خلف الإنكار لن يزيد الوضع إلا تعقيدًا، وسينقل المواجهة في القريب العاجل إلى مواجهة مع الدول الغربية ككل، ومن ثم مع المجتمع الدولي بالنظر لخطورة هذه الاتهامات.

حيث تسمح اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بتفعيل آلية “التفتيش الاستثنائي” أو “التفتيش عند الطلب” للتحقق من صحة الادعاءات في حال تقديم دولة عضو لاتهامات في حق دولة أخرى أو ظهور أدلة موثقة. وتتيح هذه الآلية لأي دولة عضو أن تطلب تفتيشاً في أي موقع مشتبَه به في دولة عضو أخرى دون سابق إنذار. في هذه الحالة، تتولى الأمانة الفنية للمنظمة إخطار الدولة (المتهَمة) فوراً بطلب التفتيش، وتتحرك بعثة التفتيش إلى الموقع المعني.

وتلزم اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية الدولة التي تواجِه الاتهامات بالسماح لفريق التفتيش بالوصول إلى الموقع المعني (مع وجود تدابير لحماية المعلومات الحساسة غير ذات الصلة) وإجراء تحقيق ميداني وجمع الأدلة وإجراء مقابلات مع الشهود ومن ثم ترسل العينات إلى مختبرات المنظمة المعتمدة دولياً ليصدر بعدها التقرير الفني الذي يعتمد على النتائج المختبرية والشهادات والملاحظات الميدانية، لينتقل بعدها التقرير إلى مرحلة الإجراءات الدبلوماسية والقانونية.

الخيارات تبدو محدودة أمام قائد الجيش، فإما الامتثال لمتطلبات التحقيق الدولي عبر المنظمة الدولية المختصة، وإما الدخول في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة والدول الغربية. ولعل في تجربة نظام الرئيس بشار الأسد عبرة لمن يعتبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *