العدالة على خط النار

أحكام بالإعدام في بورتسودان وأزمة الشرعية القضائية في السودان

تقرير خاص: (ديسمبر)

 

في يوليو 2026، أصدرت محكمة سودانية في بورتسودان أحكاماً بالإعدام شنقاً بحق محمد حمدان دقلو «حميدتي»، قائد قوات الدعم السريع، ونائبه عبد الرحيم دقلو، إلى جانب عدد من قيادات قوات الدعم السريع، في قضية مرتبطة بأحداث مدينة الجنينة ومقتل والي غرب دارفور خميس أبكر.

لكن الحكم صدر في مدينة تقع تحت سيطرة الجيش، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على مناطق واسعة في دارفور وأجزاء كردفان. وهو ما يطرح سؤالاً يتجاوز القضية نفسها: كيف تعمل العدالة في بلد تتوزع فيه السيطرة العسكرية بين أطراف متحاربة، وتبقى قدرة الدولة على تنفيذ الأحكام موضع اختبار؟

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم تعد المحاكم مجرد مؤسسات للفصل في النزاعات القانونية، بل أصبحت جزءاً من الصراع على الشرعية. فلم يعد الخلاف يدور فقط حول من ينتصر عسكرياً، بل حول من يملك حق تعريف الجريمة، وتحديد المسؤولية، وتمثيل الدولة.

مما جعل العديد من القانونين يرون أن القضاء في زمن الحرب يواجه اختباراً صعباً، إذ تحاول الأطراف المتحاربة استخدام المؤسسات القانونية لتثبيت روايتها للصراع، بينما تبقى مسألة استقلال العدالة محل جدل واسع.

 

أزمة الشرعية

 

لا تبدأ الإشكالية فقط من مضمون الأحكام، بل من البيئة المؤسسية التي صدرت فيها.

فقرار تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية من قبل رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أثار جدلاً واسعاً بين خبراء القانون حول استقلالية المؤسسة وطريقة تشكيلها، خصوصاً أن المحكمة الدستورية يفترض أن تضطلع بدور الرقابة على دستورية أعمال السلطات العامة.

وترى أستاذة القانون الدستوري زحل الأمين أن طريقة تشكيل المحكمة تثير تساؤلات حول مبدأ الفصل بين السلطات، باعتبار أن استقلال القضاء يتطلب أن تكون آليات تشكيله بعيدة عن التأثير المباشر للسلطة التنفيذية.

وتقول إن حساسية المحكمة الدستورية تنبع من طبيعة اختصاصاتها، فهي تنظر في قضايا تتعلق بالحقوق والحريات وتنازع الاختصاصات بين مؤسسات الدولة، ولذلك فإن طريقة تشكيلها تؤثر بصورة مباشرة على الثقة العامة في قراراتها.

ولا ترتبط أزمة الثقة في القضاء السوداني بالحرب الحالية وحدها، بل تمتد إلى إشكالات أقدم تتعلق باستقلال المؤسسة العدلية وتسييسها خلال العقود الماضية. ويرى قانونيون أن الحرب عمّقت هذه الأزمة بعدما أصبحت المؤسسات القضائية تعمل داخل بيئات عسكرية منقسمة، الأمر الذي جعل استقلالها وقدرتها على إصدار أحكام تحظى بالقبول محل تساؤل.

ويقول رئيس هيئة محامي دارفور صالح محمود إن أزمة القضاء السوداني سبقت الحرب الحالية، مشيراً إلى أن سياسات الإحلال والتبديل التي طالت الجهاز القضائي خلال عهد النظام السابق أثرت على استقلاليته، بينما أدت الحرب إلى مزيد من تفكك المؤسسة العدلية.

ولا يقتصر الجدل على آليات التعيين، بل امتد إلى لغة بعض الإجراءات القضائية نفسها. ويشير المحامي والخبير القانوني عثمان صالح إلى أن استخدام بعض المصطلحات ذات الطابع السياسي في سياق المحاكمات يثير مخاوف بشأن مدى التزام الإجراءات القضائية بالحياد المطلوب.

في المقابل، يرى مؤيدو هذه الإجراءات أن إعادة تفعيل المؤسسات العدلية تمثل خطوة ضرورية لاستعادة مؤسسات الدولة بعد سنوات من الاضطراب والانهيار المؤسسي، وأن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات لا يمكن تأجيلها بحجة الظروف السياسية.

 

عدالتان متنافستان

 

مع استمرار الحرب، لم يعد الخلاف حول القضايا فحسب، بل حول «أي عدالة» تُطبَّق. فالمؤسسات القضائية في مناطق سيطرة الجيش تعتبر نفسها «الامتداد الشرعي للدولة»، بينما يرفض خصومها الاعتراف بولايتها. من جانبها، ترفض الأطراف الموازية هذه الإجراءات جملة وتفصيلاً. فوصف الباشا طبيق، وزير النفط في «حكومة تأسيس»، الأحكام بأنها «محاولة لتزييف الوقائع وتصفية حسابات». فيما سخر اللواء عبد الرحمن جمعة، أحد المحكوم عليهم، من شرعية المحكمة، واصفاً إياها بأنها تابعة لـ«سلطة انقلابية».

ولم يقتصر المشهد على رفض الأحكام، بل ردت «حكومة تأسيس» بخطوة مماثلة، حيث عقدت محاكمات للفريق عبد الفتاح البرهان وقيادات عسكرية أخرى، بتهمة شن الحرب على المدنيين واستهداف البنى التحتية المدنية. وبذلك اكتملت صورة التناظر القضائي: كل طرف يحاكم خصمه، وتتحول أروقة القضاء إلى ساحة مواجهة موازية للميدان العسكري.

وتحذر اللجنة الدولية للحقوقيين من أن استقلال القضاء لا يعني فقط عدم التدخل المباشر، بل يتطلب وجود مؤسسات قضائية موحدة تحظى بثقة جميع الأطراف. ويقول مدير برنامج السودان في المركز الدولي للعدالة الانتقالية إن السودان يسير نحو واقع «العدالات المتنافسة»، حيث كل طرف له محاكمه وأحكامه، وهذا ليس عدالة، إنها فوضى قانونية.

 

سياق العدالة

 

لا يتعلق الجدل حول المحاكمات الحالية فقط بطبيعة التهم أو الأدلة، بل بالسياق الذي تعمل داخله المؤسسات العدلية.

فالقانون الدولي يلزم سلطات الأمر الواقع في مناطق النزاع بحماية المدنيين وضمان الوصول إلى العدالة، لكن ذلك يتطلب مؤسسات قادرة على العمل باستقلال عن القوى العسكرية المسيطرة.

ويشير قانونيون إلى أن غياب مؤسسات الدولة المتكاملة، بما فيها الشرطة والنيابات المستقلة وآليات الاستئناف الفاعلة، يجعل المحاكمات أكثر عرضة للطعن في شرعيتها، حتى عندما تتعلق باتهامات خطيرة.

 

حيث أدت الحرب إلى انهيار شبه كامل في وحدة النظام القضائي، بحيث أصبحت إجراءات التقاضي والاستئناف نفسها تواجه صعوبات مرتبطة بانقسام السيطرة على البلاد.

ويضيف قانونيون أن الخطر لا يتمثل فقط في غياب العدالة، بل في تحول القضاء إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام، عبر اتهامات متبادلة بين أطراف الحرب، بما يجعل المواطن العادي عرضة للوقوف أمام مؤسسات لا يثق في استقلالها.

 

محاسبة أم أداة؟

 

لا ينكر خبراء قانونيون مسؤولية قيادات الدعم السريع عن انتهاكات جسيمة وثقتها منظمات دولية ومحلية في دارفور والخرطوم ومناطق أخرى، ويؤكدون أن مبدأ مسؤولية القيادة يفرض التحقيق مع القادة الذين تثبت مسؤوليتهم أو تقصيرهم في منع الانتهاكات.

لكنهم يشددون في الوقت نفسه على أن خطورة الجرائم لا تلغي الحاجة إلى محاكمات تستوفي شروط العدالة والنزاهة والاستقلال.

وهنا يجب ألا تتحول محاكمة قادة الدعم السريع إلى بديل عن العدالة، بل ينبغي أن تكون جزءاً من عملية قانونية شاملة تشمل جميع أطراف النزاع، بما في ذلك قادة القوات المسلحة إذا ثبتت مسؤوليتهم عن انتهاكات.

في المقابل، يرى مؤيدو المحاكمات أن التعاون مع طرف مسلح أثناء الحرب أو المشاركة في أعمال تهدد أمن الدولة يمثل جرائم تستوجب المحاسبة، وأن تأجيل الإجراءات قد يؤدي إلى إفلات المسؤولين عن الانتهاكات من العقاب.

لكن السؤال الأساسي يبقى: هل تستطيع مؤسسة عدلية تعمل في ظل الاستقطاب العسكري والسياسي أن تنتج حكماً يحظى بالقبول خارج حدود الطرف الذي يسيطر على الأرض؟

تكشف نتائج استطلاع أجرته مجموعة المناصرة من أجل السلام في السودان (AGPS) أن غالبية السودانيين تريد محاسبة المسؤولين عن الحرب، لكنها تبحث في الوقت نفسه عن نموذج عدالة يضمن الاستقلالية وعدم التسييس.

فقد أيد نحو 90% من المشاركين مبدأ المحاسبة، بينما توزعت تفضيلاتهم حول آليات العدالة بين العدالة الهجينة التي تجمع بين الآليات الوطنية والدولية بنسبة 38.8%، والعدالة الوطنية بنسبة 38.5%، والعدالة الدولية بنسبة 22.7%.

كما جاءت العدالة الانتقالية في مقدمة الخيارات لمعالجة إرث الحرب، بينما لم يحظَ خيار العفو العام إلا بتأييد محدود.

وتشير هذه النتائج إلى أن المطلب الشعبي لا يقتصر على معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات، بل يمتد إلى بناء مؤسسة عدلية تمنع تكرار دورة العنف.

ويقول الباحث في مجموعة المناصرة من أجل السلام في السودان د.عصام عباس إن السودانيين يريدون العدالة، لكنهم يريدون أيضاً مؤسسة عدلية موثوقة، لأن القضية بالنسبة لهم ليست فقط محاسبة من ارتكب الجرائم، بل بناء نظام يمنع إنتاج الحرب مرة أخرى.

 

معركة الدولة

 

تكشف قضية أحكام الإعدام في بورتسودان عن أزمة أعمق من قضية أشخاص متهمين أو محكوم عليهم. إنها تكشف أزمة مؤسسة العدالة نفسها في دولة تتنازعها سلطات متعددة وحرب مفتوحة.

فبينما ترى الحكومة السودانية أن المحاكمات جزء من استعادة سيادة القانون، يرى خصومها أنها تستخدم القضاء لتثبيت شرعية سياسية في مواجهة عسكرية.

وبين هذين الموقفين، يبقى الضحايا والمجتمع السوداني أمام سؤال أكبر: كيف يمكن بناء عدالة لا تكون امتداداً للحرب، بل طريقاً للخروج منها؟.

في بورتسودان صدرت أحكام بالإعدام بحق قادة في الدعم السريع، لكن القدرة على تنفيذ هذه الأحكام ليست مسألة قانونية فقط، بل مرتبطة بالواقع العسكري والسياسي الذي يعيشه السودان.

فالعدالة في مرحلة ما بعد النزاعات لا تُقاس فقط بمن تصدر بحقه الأحكام، بل بقدرة المؤسسات على ضمان محاكمات عادلة، ومساءلة جميع الأطراف، واستعادة ثقة المجتمع.

وفي بلد ما تزال فيه القوة العسكرية تحدد حدود النفوذ، يبقى بناء قضاء مستقل أحد أصعب وأهم شروط السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *