السياسي الذي فعل كل شيء.. إلا السياسة

بروفايل: شوقي عبد العظيم

 

قبل عام 2011 إذا سألك أحدهم عن أبناء رئيس حزب الامة وإمام الأنصار الراحل الصادق المهدي وعن أكثرهم مشاركة في الحياة العامة والحياة السياسية ستضع في أول القائمة الدكتورة مريم المنصورة، يعقبها في القائمة صديق الصادق ثم رباح ثم أم سلمة وبقية الأبناء والبنات، وربما يسقط اسم ضابط الجيش عبد الرحمن الصادق من القائمة بالمرة. إلا أنه في نوفمبر 2011 أذيع اسمه على أنه مساعد للرئيس المخلوع عمر البشير للشؤون الأمنية.

ومن يومها تعلق عبدالرحمن بالمناصب واضطر للوقوف أمام الكاميرات تحت الأضواء وأن يعتلي المنابر، وإن كان لا يزال يهابها ويتعثر عند ركوبها.

ومن يتتبع سيرة الرجل بعد توليه منصب المساعد، في حكومة الجنرال الذي اغتصب الحكم من والده، سيجدها خصمت من عبد الرحمن أكثر من أنها أضافت إليه. نظر كثيرون إلى تجربته مساعداً لقائد انقلاب الإسلاميين (1989) باعتباره استفزازاً واستدراجاً للإمام الراحل الصادق شخصياً ولحزب الأمة، كما أنها مليئة بالمواقف السياسية المحرجة. ولعل السبب الرئيسي وراء ذلك تجربة عبد الرحمن السياسية المتواضعة، أو ربما المعدومة لولا أنه ابن حفيد أحد السيدين؛ الصادق المهدي.

 

بعيداً عن السياسة بأمر النميري

 

من أيام صباه الأولى كان عبد الرحمن الصادق منصرفاً عن السياسة منشغلاِ بالفروسية والبيادة، رغم ما علق به منها، لكونه من بيت زعامة سياسية. الفروسية وركوب الخيل أيضاً كانتا تقليداً متبعاً عند آل المهدي، كما أنه صاحب بسطة في الجسم الأمر الذي أهله لذلك.

من المعتاد في السودان أن تتفتح شخصية أي سياسي في المرحلة الثانوية، وها هو عبد الرحمن في مدرسة خورطقت الثانوية- إحدى المدارس القومية ذائعة الصيت وقتها- بعد أن أتاها منقولاً من مدرسة أم درمان الثانوية، جاء إليها في 1984 تسبقه الكنية (ود الصادق المهدي). والمفارقة المدهشة أن والده كان حينها رئيس وزراء أطاح به انقلاب جعفر النميري، ثم صالحه وصار ذا منصب رفيع فيه قبل اعتقاله حتى سقوط نظام مايو. استقبلته أروقة المدرسة وداخلية دوليب على أنه حدث مهم وخاصة زملاؤه من بيوت الأنصار، وهم كثر في ذلك الزمان.

سألت عنه أحداً من زملائه في خور طقت فقال “هالة ود الصادق كانت طاغية على أحاديث الطلاب عنه”. ومن كانوا قريبين منه مسموح لهم التندر على بنيته الجسمانية الفارهة، وقياس حذائه الذي لا يطابقه أحد. لم يعرف عنه نبوغ أكاديمي على حد قول زميل دراسته، غير أنه بذَّ الجميع في الرياضة، وظل الأول في سباق الضاحية إلى أن غادر خور طقت. وما ساهم في ضعف اهتمامه السياسي في فترة الدراسة الثانوية حظر النشاط الطلابي في عهد الرئيس المخلوع نميري، عدا نشاط الكشافة وطلائع مايو. لذا لم ينخرط عبد الرحمن في نشاط سياسي داعم لحزب الأمة ولو سراً.

 

بعيداً عن السياسة بأمر الجيش

 

كانت الكلية الحربية حلم عبد الرحمن الأوحد، لما في البزة العسكرية من أرستقراطية تتناسب مع سليل آل المهدي، ومع ميوله للبيادة والرياضة وركوب الخيل، غير أن مستواه الأكاديمي لم يسعفه، وربما كانت معارضة والده للنظام عقبة أخرى. وفي بادرة نادرة درس العسكرية خارج السودان وتحديداً في الكلية الملكية الأردنية الهاشمية العسكرية، مستفيداً من صداقة جمعت الراحل الصادق المهدي والراحل الملك حسين ملك الأردن ليسافر ويلتحق بالكلية الملكية الأردنية.

تحقق الحلم وأصبح ضابطاً في صفوف الجيش السوداني، على الرغم من أنه لا يتشارك مع زملائه الضباط كلمة (دفعة) وذكريات الجزاءات ومقالب (التعلمجية) والهروب ليلاً للحصول على التبغ الممزوج بماء العطرون.

حرمه حلمه العسكري من ميزة تمتع بها أقرانه ممن التحقوا بالجامعات، وهي ممارسة السياسة، خاصة أن الديمقراطية حطت رحلها في البلد برهة في ذلك الوقت، لا سياسة في الجيش، على الأقل هذا ما كتب في اللوائح، فها هو محروم منها في الثانوية حيث تتضح الميول السياسية، وفي الجامعة حيث تنضج.

 

“تفلحون”

 

وقع انقلاب الإنقاذ في يونيو 1989، وعبد الرحمن بلغ رتبة الملازم الأول ولم يكمل سنة، وبعد أشهر قليلة أحيل إلى التقاعد ضمن موجة الصالح العام، كيف لا وهو ابن رئيس الوزراء المنقلَب عليه، وانتماؤه لحزب الأمة لا شك فيه. ها هي السياسة تضع حداً لحلمه، إلا أنه سيعود لاحقاً ويتشبث به.

الصادق المهدي لا يجد مناصاً من معارضة نظام الإنقاذ من الخارج، ولكن كيف الخروج والطرق ملئت أمناً كثيراً ورصداً، والمخاطرة غير مأمونة العواقب؟.

انبرى للمهمة عبد الرحمن ضمن ثلة من الخُلّص للإمام. مع غروب ذلك اليوم كان عبد الرحمن يمسك بمقود العربة (البوكس) أمام عربة الإمام الصادق وسلاحه الكلاشنكوف تحت المقعد.. وبعد ساعات نجحت الخطة وبلغ الركب حدود دولة إثيوبيا، وزال الخطر.

تولى عبد الرحمن قيادة جيش الأمة بعد فترة وجيزة من وصوله إلى الأراضي الإثيوبية بدلاً عن القائد العميد أحمد خالد المالكي. وبعد عامين امتثل عبد الرحمن  لقرار الحزب وعاد مع الجيش إلى الداخل.

 

صداقات مع الإنقاذ

 

مصادر متطابقة مقربة من عبد الرحمن أكدت أنه ارتبط بصداقات مع الضباط الإسلاميين النافذين في نظام الإنقاذ، ومن بين هؤلاء الضابط الشهير صلاح عبدالله قوش. وقبل تعيينه مساعداً للبشير وبعد تعيينه سعى حثيثاً لإشراك الحزب في الحكومة، وقاد مبادرات عديدة في هذا الاتجاه. وقال أحد المصادر المقربة منه “كثير من قادة المؤتمر الوطني أفراد وجماعات زاروا الصادق المهدي بمبادرة من عبد الرحمن، وسبق أن رتب لقاءً لهم في مهجر الإمام في القاهرة. ولم تتوقف هذه المبادرات إلا بعد أن ضاق بها الصادق ذرعاً وأمر ابنه بإيقافها”.

ومن ثمرات هذه الصداقات أن الإنقاذ لم تتعرض لعبد الرحمن في الوقت الذي نكلت فيه بقيادات حزب الأمة وآل بيته؛ مريم ورباح وبطبيعة الحال الإمام الصادق نفسه.

وفي أواخر عام 2010 أثمرت علاقات عبد الرحمن وصداقاته مع بعض قيادات المؤتمر الوطني بأن عاد إلى الجيش ولكن برتبة عميد هذه المرة. حدثت احتجاجات عريضة من قبل عسكريين ومن مدنيين أحيلوا للصالح العام على هذه الخطوة. الناطق الرسمي باسم الجيش وقتها الصوارمي خالد سعد كان رده مقتضباً على المحتجين إذ قال “حق إعادة المرفوتين من الجيش حق مكفول للقائد العام للقوات المسلحة وليس مطالَباً بإبداء أسباب”. الحزب، وعلى لسان الصادق، بارك الخطوة، وأشار إلى أنه “حق أعيد لصاحبه”، فعبد الرحمن فصل من الجيش دون جريرة غير موقف والده وحزبه السياسي، أي أن الحلم بالعسكرية الذي انقطع بسبب السياسة يتواصل من جديد، ووجه بأن يكون مكان عمله فرع الرياضة العسكرية وهي وحدة ملفها نظيف في ما يتعلق بالانقلابات العسكرية، كما هو واضح من اسمها وتأثيرها.

وحتى يتسنى لعبد الرحمن أن يعود للعسكرية تنازل عن منصبه السياسي بجرة قلم مقدماً استقالته من الحزب، مفضلاً البزة العسكرية والنياشين على السياسة التي لم يتدرب على أدواتها مقارنة بالعسكرية. إلا أن السياسة تتربص به مرة أخرى وتمسك بتلابيبه، مساعداً للمخلوع البشير.

 

المساعد عبد الرحمن يتقاعس

 

أزمة كبيرة تعرض لها عبد الرحمن وهو يجلس في مكتب طرفي مساعداً للمخلوع البشير في القصر الذي جزَّ فيه أنصار جده المهدي رأس غردون. بدأت الأزمة عندما ألقى البشير بوالده الإمام في غياهب السجن في 17 مايو 2014، على خلفية انتقادات وجهها لقوات الدعم السريع متهماً إياها بارتكاب تجاوزات في إقليم دارفور، وهذه قصة تروى. عندها عجز عبدالرحمن عن فعل شيء. الإسلاميون الحكام لم يلتفتوا له وفضلوا إرضاء محمد حمدان دقلو حميدتي. وفي الوقت الذي كان الأنصار وشباب حزب الأمة على أهبة الاستعداد للتضحية بحياتهم من أجل إمامهم ورئيس حزبهم ومعلمهم المفكر تقاعس ابنه الذي يجلس إلى جوار سجانه. أنَّبه الأنصار وكوادر الأمة أول الأمر ثم سخروا منه. آثر عبد الرحمن الاختفاء في الليالي الحالكة، بحثت عنه الصحافة ولم تجده وهو كثيراً ما يتلعثم أمامها. أخيراً أطلق سراح الصادق بمبادرة من كامل إدريس، رئيس الوزراء المعين من البرهان. لكن أكدار مجاورة المخلوع البشير لا تنتهي، وينتظر عبد الرحمن موقف محرج آخر وربما أكثر حرجاً.

فبعد ثلاثة أشهر عندما اعتقل جهاز الأمن أخته مريم الصادق في أغسطس 2014 من داخل الطائرة القادمة من باريس بعد توقيع إعلان باريس بين حزب الأمة بقيادة الصادق والجبهة الثورية بقيادة مالك عقار، واقتيدت مريم من المطار إلى مباني جهاز الأمن حيث أخضعت للتحقيق وجرى ترحيلها لاحقاً إلى سجن النساء بأم درمان دون أن يسمح لأحد من أفراد أسرتها بزيارتها، ومن بين أفراد أسرتها أخوها عبد الرحمن الذي يخدم في قصر سجانها عمر البشير.

باختصار لم يكن موقف عبد الرحمن في هذه الأزمة بأفضل من موقفه عند اعتقال والده، وأيضاً لم يهتم له قادة النظام، ولم يكن عندهم شيئاً مذكوراً.

 

الخذلان الأخير: قوش يرسله إلى السجن

 

نظام الإسلاميين أصدقاء الفريق عبد الرحمن الصادق يحتضر، وقائده البشير ثور في مستودع خزف، الزمان مطلع عام 2018، حزب الأمة يدعو إلى وقفة احتجاجية في ميدان الأهلية، بعد يوم واحد من موكب دعا له الحزب الشيوعي. السلطات بقيادة معتمد أم درمان وقتها مجدي عبد العزيز الفكي تغمر الميدان بمياه الصرف الصحي منعاً للوقفة الاحتجاجية، كوادر الأمة والأنصار تمسكوا بالوقفة. اعتقلت أجهزة أمن النظام قيادات وكوادر حزب الأمة وأعداداً غفيرة من المشاركين ومن الصحفيين، وفعلت ذات الفعل مع موكب الشيوعيين. امتلأت السجون بالمعتقلين، ومن بين قيادات حزب الأمة نواب الإمام الصادق ومساعدوه، القيادية البارزة والأمينة العامة للحزب سارة نقد الله ضمن المعتقلين، تتدهور صحتها في المعتقل، وتصاب بالتهاب رئوي حاد. مساعد البشير عبد الرحمن “لا حس ولا خبر”، وكأن النظام يتعمد إذلاله.

المأساة لم تتوقف عند هذا الحد، بعد ما يزيد على الشهر يعلن مدير جهاز الأمن الفريق صلاح عبد الله قوش أنه سيطلق سراح جميع المعتقلين مبشراً بمرحلة سياسية جديدة، تم تحديد يوم إطلاق السجناء السياسيين، تجمهر أهالي المعتقلين بالمئات أمام سجن كوبر، سبقهم إلى السجن الصحفيون ومراسلو القنوات الفضائية، الجميع كان ينتظر حضور قوش لتنفيذ ما أعلن عنه، لكنهم فوجئوا بحضور مساعد البشير عبد الرحمن الصادق، وقف أمام الكاميرات مُدَّت إليه المايكرفونات وأجهزة التسجيل، أخرج من جيب البدلة الاشتراكية “تمكَّنَّا” ورقة منتزعة من كراس، كتبت بأحرف كبيرة مضمونها أن قوش يعلن عن مرحلة سياسية جديدة، وبشر ابن الإمام بإطلاق سراح جميع المعتقلين، ثم غادر بخطوات سريعة وهو ينظر للجميع مزهواً بنفسه وبما قام به للتو. وفي الحقيقة وبعد كل ذلك لم يخرج سوى ثلث المعتقلين وأبقوا على الثلثين رهائن يساوم بهم صلاح، واشترط لإطلاق سراحهم أن يتحسن سلوك تنظيماتهم وأحزابهم. وكانت تلك الخطوة بمثابة خذلان أخير للمساعد.

 

ندوة تدشين الجنرال السياسي

 

لا خلاف على أن وضع الفريق عبد الرحمن في حزب الأمة القومي ملتبس، وينقسم الناس حياله فريقين؛ فريق يقول إنه غادر الحزب باستقالة كانت شرطاً ليمضي في مشاركة الإسلاميين سلطتهم مساعداً للبشير، وهذا ما صرح به الإمام الراحل أكثر من مرة، وقالها بوضوح كامل “عبد الرحمن قدم استقالته من الحزب ولم يعد حزب أمة”، وفريق يستند إلى رواية روَّج لها عبد الرحمن شخصياً مفادها أن هناك وصية للإمام بأنه من بين كوادر الحزب أو شيء من هذا القبيل، على الرغم من أن جميع من سألناهم قالوا إن ما ذكره يخالف على الأقل نهج الإمام الديمقراطي.

بعد سقوط نظام الإسلاميين ووفاة الإمام عليه الرحمة عمل عبد الرحمن جاهداً على العودة لحزب الأمة. وهذه الأيام في أم درمان بدا الجنرال الذي أحيل للمعاش يتصرف على أنه رئيس الحزب؛ سيطر على دار الأمة، وتقدم قيادات من الحزب تواليه في موكب تسليم رؤية حزب الأمة القومي لحل أزمة الحرب. وفي إطار تدشين الجنرال عبد الرحمن سياسياً وقيادياً في الحزب أقيمت له ندوة مشتركة مع ابن زعيم الحزب الاتحادي جعفر محمد عثمان الميرغني، أول انتقاد الحضور لهما هو قراءتهما من ورقة كتبت لكل منهما، وفي الحقيقة لم تخرج منها الصحافة بخبطات كبيرة، وهي في الأصل ندوة لتدشين الجنرال سياسياً وقيادياً في حزب الأمة أو الإبقاء على السياسي الذي فعل كل شيء إلا السياسة في دائرة الضوء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *