حينما تتحدث الأرقام.. فلتصمت الأوهام (3 – 4)

لواء شرطة (م) د.عصام الدين عباس أحمد

مستشار تكنولوجيا المعلومات ونظم تحليل البيانات

 

مدخل

 

في المقالين السابقين كشفت نتائج الدراسة التي نفذتها مجموعة نداء السودان (SPC) عن حقيقتين بالغتَي الأهمية: الأولى أن السودانيين يكادون يُجمعون على ضرورة وقف الحرب والاحتكام إلى التفاوض، والثانية أنهم يتفقون على أن جذور الأزمة تكمن في الداخل أكثر من ارتباطها بالعوامل الخارجية. غير أن تأييد السلام، مهما بلغت نسبته، لا يعني بالضرورة الثقة في الآليات التي يُصنع بها هذا السلام.

هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: إذا كان السودانيون يريدون السلام، فلماذا تتراجع ثقتهم في اتفاقيات السلام؟ وما هي الشروط التي يرون أنها تجعل أي اتفاق جديرًا بثقتهم؟ وهل يرسمون ويضعون خطوطًا حمراء؟.

كشفت الدراسة أن الأزمة اليوم ليست انعدام الرغبة في السلام، بل هي أزمة ثقة تراكمت عبر عقود من الاتفاقيات التي وُقِّعت ثم تعثرت، وتجاوز بعضها الخطوط الحمراء، مما قاد إلى انفصال جزء عزيز من الوطن، ومن الوعود التي لم تتحول إلى واقع، ومن التسويات التي عالجت مظاهر الصراع أكثر مما عالجت جذوره. لذلك لم يعد المواطن السوداني يقيس نجاح أي اتفاق بما تم النص عليه فقط، أو بعدد الوسطاء أو الموقعين عليه، بل بقدرته على إنهاء أسباب الحرب، وحماية المدنيين، وضمان تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. أوضحت نتائج الدراسة أن السودانيين، وهم يطالبون بوقف الحرب، يرسمون في الوقت نفسه حدودًا واضحة لما يمكن قبوله أو رفضه في أي تسوية سياسية، ويضعون مجموعة من المبادئ التي يرون أنها تشكل الأساس الحقيقي لسلام عادل ومستدام.

 

فجوة الثقة

من أكثر المفارقات في المشهد السوداني، والتي كشفتها نتائج الدراسة، هي انخفاض ثقة المواطن في آليات صناعة السلام، رغم تأييد السواد الأعظم لمساعي وقف الحرب. ففي الوقت الذي أبدى فيه أكثر من 93% من المشاركين تأييدهم لمفاوضات السلام، بلغ مؤشر الثقة في اتفاقيات السلام 55.1 من 100 فقط، وهو ما يُصنَّف ضمن مستوى الثقة المتوسطة. فقد بلغت الفجوة بين الرغبة في السلام والثقة في آلياته 38.1 نقطة مئوية، وهي فجوة لا يمكن تجاهلها عند تصميم أي عملية سياسية مستقبلية.

هذه الأرقام لا تعني أن السودانيين يرفضون السلام، بل على العكس، فهي تؤكد أن السلام أصبح مطلبًا وطنيًا جامعًا. إلا أنها تكشف أيضًا أن المواطنين فقدوا قدرًا كبيرًا من الثقة في قدرة الاتفاقيات التقليدية على إنهاء النزاع بصورة مستدامة.

 

ماذا يقول السودانيون؟

 

عند سؤال المشاركين بصورة مباشرة عن مستوى ثقتهم في اتفاقيات السلام، جاءت النتائج معبرة عن هذا التردد.

فقد أبدى 14.4% فقط ثقة عالية في اتفاقيات السلام، بينما قال 37.8% إن ثقتهم متوسطة، في حين أعلن 28.9% أنهم لا يثقون في اتفاقيات السلام مطلقًا.

هذه النتائج تعني أن ما يقارب ثلثي السودانيين ينظرون إلى اتفاقيات السلام بعين الشك، وهي نسبة مرتفعة إذا ما قورنت بحجم التأييد العام لإنهاء الحرب.

إنها ليست أزمة رفض للسلام، وإنما أزمة ثقة في الوسائل التي يُدار بها.

لماذا تراجعت الثقة؟

 

لا تقدم الدراسة تفسيرًا واحدًا لهذه الظاهرة، لكنها توفر مؤشرات قوية تساعد في فهمها.

أول هذه المؤشرات أن السودانيين يرون أن السبب الرئيس لفقدان الثقة يعود إلى عدم تنفيذ الاتفاقيات السابقة. فالمشكلة، من وجهة نظرهم، ليست في غياب الاتفاقات، وإنما في غياب الإرادة والآليات التي تضمن تنفيذها.

أما المؤشر الثاني، فيتمثل في الإجماع الواسع على ضرورة المحاسبة. فقد طالب 90% من المستجيبين بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وهي من ضمن أعلى نسب التوافق التي سجلتها الدراسة في جميع محاورها. هذه النتيجة تشير إلى أن العدالة ليست قضية مؤجلة بالنسبة للسودانيين، بل تُعد أحد شروط السلام نفسه. ولذلك فإن أي اتفاق يتجاهل حقوق الضحايا أو يؤجل مسألة المساءلة قد يواجه أزمة شرعية حتى قبل أن يبدأ تنفيذه.

أما المؤشر الثالث، فيتعلق بغياب الضمانات التنفيذية. فالتجارب السابقة رسخت لدى كثير من السودانيين قناعة بأن الاتفاقات وحدها لا تكفي، ما لم تقترن بآليات واضحة للرقابة والتنفيذ والمساءلة.

 

العدالة.. شرط للسلام لا بديل عنه

 

ومن النتائج اللافتة أن السودانيين لا يضعون السلام والعدالة في حالة تعارض مطلق. فعندما طُلب منهم ترتيب الأولويات، فضَّل 58.2% إعطاء الأولوية لإيقاف الحرب، بينما رأى 29.8% أن السلام والعدالة يجب أن يسيرا معًا، في حين لم يؤيد تقديم العدالة على السلام سوى 12%.

هنا يتضح قدر كبير من البراغماتية السياسية. فالسودانيون يريدون وقف نزيف الدم أولًا، لكنهم لا يرغبون في أن يتحول ذلك إلى سلام يقوم على الإفلات من العقاب. يؤكد هذا الاتجاه أيضًا اختيار العدالة الهجينة كأكثر النماذج قبولًا، حيث فضلها 38.8% من المشاركين، بفارق طفيف عن العدالة الوطنية 38.5%، بينما حصلت العدالة الدولية وحدها على 22.7% فقط.

يعكس هذا التوزيع ميلًا واضحًا نحو نموذج يجمع بين الملكية الوطنية والضمانات الدولية، بما يعزز الثقة في استقلالية العدالة وفاعليتها.

 

ماذا تعني هذه النتائج؟

 

ترسم الدراسة رسالة بالغة الوضوح أمام الوسطاء وصناع القرار. فالمشكلة الأساسية لم تعد إقناع السودانيين بالسلام، فقد حسموا موقفهم بالفعل. أما التحدي الحقيقي فهو استعادة الثقة في العملية السلمية نفسها.

هذا يعني أن أي اتفاق مستقبلي لن يُقاس بعدد الموقعين عليه، وإنما بقدرته على إقناع المواطنين بأنه مختلف عن الاتفاقات التي سبقته، وأنه يتضمن ضمانات حقيقية للتنفيذ، وآليات واضحة للمساءلة، ومشاركة واسعة للمتأثرين بالحرب، ورؤية تعالج جذور الصراع بدلًا من الاكتفاء بتقاسم السلطة بين النخب.

 

الخطوط الحمراء: حدود التنازل في نظر السودانيين

 

من النتائج التي ينبغي التوقف عندها، وبرغم توافق السودانيين الواسع على ضرورة إنهاء الحرب، إلا أنهم لا ينظرون إلى السلام باعتباره غاية تبرر أي وسيلة، بل يرسمون حدودًا واضحة لما يمكن قبوله أو رفضه في أي تسوية سياسية. فقد جاء رفض تقسيم السودان في مقدمة الخطوط الحمراء، محقِّقًا أعلى وزن مرجِّح (7,891)، وهو ما يعكس تمسُّكًا راسخًا بوحدة الدولة باعتبارها شرطًا لا يقبل المساومة، رغم ما أفرزته الحرب من انقسامات جغرافية وسياسية واجتماعية.

وجاء في المرتبة الثانية رفض استمرار وجود قوات أو مليشيات خارج المنظومة الأمنية الوطنية (7.817)، في مؤشر واضح على أن غالبية السودانيين ترى أن استدامة السلام لا يمكن أن تتحقق في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة أو استمرار الجيوش الموازية. أما استمرار التدخل العسكري في الحياة السياسية، فقد احتل المرتبة الثالثة (6,953)، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لدى المواطنين بأن بناء السلام يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، وترسيخ مبدأ خضوع السلاح للدستور وسيادة القانون.

كما جاءت مكافحة الإفلات من العقاب ضمن أولويات السودانيين (6,725)، وهو ما ينسجم مع النتائج الأخرى للدراسة التي أظهرت دعمًا واسعًا للمساءلة والعدالة الانتقالية، ويؤكد أن تحقيق السلام لا يعني، في نظر المواطنين، تجاوز حقوق الضحايا أو إغلاق ملفات الانتهاكات. كذلك رفض المشاركون إقصاء المجتمعات المتضررة من الحرب (6,283)، في رسالة تؤكد أن أي عملية سلام لن تكتسب شرعيتها إذا اقتصرت على تفاهمات بين النخب السياسية والعسكرية دون مشاركة حقيقية للمتأثرين بالنزاع.

وفي المقابل، ورغم أهمية التدخلات الخارجية في الخطاب السياسي والإعلامي، فقد جاءت هيمنة الأطراف الخارجية على القرار الوطني في مرتبة متأخرة نسبيًا (5,850)، بما يشير إلى أن السودانيين لا يرفضون بالضرورة الدعم أو الوساطة الدولية، وإنما يرفضون أن تتحول عملية السلام إلى مشروع تُفرض أولوياته من الخارج على حساب الإرادة الوطنية.

وبصورة عامة، ترسم هذه النتائج ملامح واضحة للعقد الاجتماعي الذي يتطلع إليه السودانيون بعد الحرب. فهو عقد يقوم على وحدة الدولة، واحتكارها المشروع لاستخدام القوة، وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، وإنهاء الإفلات من العقاب، وضمان المشاركة الشاملة للمتضررين، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني. وهي مبادئ تشكل، وفقًا لنتائج الدراسة، الحدود الدنيا التي يتوقع المواطنون أن تستند إليها أي عملية سلام إذا أُريد لها أن تحظى بالثقة والاستدامة.

 

 

شروط المشاركة في العملية السلمية: الشرعية تُبنى قبل التوقيع

 

لم يكتفِ المشاركون في الدراسة بتحديد الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها في أي اتفاق سلام، بل رسموا أيضًا ملامح العملية السياسية التي يمكن أن تحظى بثقتهم ودعمهم. فقد تصدَّر وقف الانتهاكات وحماية المدنيين قائمة الشروط، محققًا أعلى وزن مرجِّح (9,729)، في دلالة واضحة على أن حماية الإنسان تمثل بالنسبة للسودانيين المدخل الحقيقي لأي عملية سلام، وأن استمرار استهداف المدنيين يقوِّض شرعية أي مفاوضات، مهما بلغت أهميتها السياسية.

وجاء في المرتبة الثانية وجود ضمانات واضحة وملزمة لتنفيذ الاتفاق بوزن مرجِّح (9,398)، وهو ما يعكس إدراكًا عميقًا بأن الأزمة في السودان لم تكن يومًا أزمة نقص في الاتفاقيات، وإنما أزمة تنفيذ ومتابعة ومساءلة. فالتجارب المتكررة لاتفاقات لم تجد طريقها إلى التطبيق جعلت الضمانات التنفيذية شرطًا أساسيًا لاستعادة ثقة المواطنين.

أما الشرط الثالث، فتمثل في استبعاد الأطراف المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة من قيادة العملية السياسية بوزن مرجِّح (9,251). وهي رسالة تعكس رفضًا شعبيًا لفكرة أن المشاركة في مفاوضات السلام تمنح حصانة سياسية أو أخلاقية لمن ارتكبوا انتهاكات بحق المدنيين. كما تؤكد هذه النتيجة أن السودانيين ينظرون إلى العدالة والمساءلة باعتبارهما عنصرين أساسيين في بناء سلام مستدام، لا عقبتين في طريقه.

تكشف هذه المؤشرات، مجتمعة، أن المواطنين لا يقيسون نجاح العملية السلمية بمجرد الوصول إلى اتفاق، بل بقدرتها على حماية المدنيين، وضمان تنفيذ الالتزامات، وترسيخ مبدأ المساءلة. وهي شروط تمنح أي اتفاق شرعيته المجتمعية، وتزيد من فرص استدامته، وتحُدُّ من احتمالات عودة البلاد إلى دائرة العنف من جديد.

 

الخاتمة

 

كشفت نتائج هذه الدراسة أن السودانيين تجاوزوا مرحلة البحث عن اتفاق سلام إلى البحث عن سلام يمكن الوثوق به. فالهوة الفاصلة بين التأييد الواسع للسلام وبين الثقة المحدودة في اتفاقياته ليست مجرد مؤشر إحصائي، وإنما تعكس ذاكرة جماعية مثقلة بتجارب لم تحقق تطلعات الناس، وأنتجت شعورًا بأن الاتفاقات وحدها لا تكفي ما لم تقترن بإرادة سياسية صادقة وضمانات تنفيذ حقيقية.

وتؤكد البيانات أن الشرعية الشعبية لأي عملية سلام مقبلة لن تُستمد من توقيع الأطراف المتحاربة، أو من دعم الوسطاء الدوليين فحسب، بل من قدرتها على الاستجابة لأولويات المواطنين أنفسهم. فالسودانيون لا يرفضون التسويات السياسية، لكنهم يرفضون أن تكون على حساب وحدة البلاد، أو احتكار الدولة للسلاح، أو العدالة، أو مشاركة المجتمعات التي دفعت الثمن الأكبر للحرب. كما أنهم لا يعارضون الدور الإقليمي والدولي، شريطة أن يكون داعمًا للإرادة الوطنية لا بديلًا عنها.

ولعل الرسالة الأبرز التي تحملها هذه النتائج هي أن الثقة أصبحت رأس المال الحقيقي لأي عملية سلام في السودان. فهي لا تُبنى بالخطابات ولا بحفلات التوقيع، وإنما تُبنى عندما يرى المواطن أن الاتفاق يعالج جذور الأزمة، ويضع حدًا للإفلات من العقاب، ويضمن تنفيذ الالتزامات، ويؤسِّس لدولة تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية. عندها فقط يمكن لاتفاقيات السلام أن تتحول من وثائق سياسية مؤقتة إلى عقد اجتماعي جديد يحظى بثقة السودانيين، ويضع البلاد على طريق الاستقرار المستدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *