عروة الصادق
إلى شرقنا الحبيب الذي يطل على البحر.. وإلى وسطنا السهل الذي يشقه النهر.. وإلى شعوب الصحراء.. سلام.
إننا ورثنا وطناً يعد مكانه موقعًا تتمنى كثير من الدول امتلاك بعض مزاياه، ثم أدار هذا الموقع على نحو جعل الميزة عبئًا ثقيلاً، والموارد سببًا للتنازع، والحدود منافذ للحروب والتهريب، والمياه مادةً للخصومات، والساحل معبرًا لمصالح الآخرين. وهذه مفارقة تستحق التأمل؛ فالأوطان قد تفتقر إلى الموارد فتجتهد في تعويض فقر الطبيعة بغنى العقل والتنظيم، وقد تغدق عليها الجغرافيا ثم تهدر عطاياها بسبب فساد الحكم وضيق الرؤية وضعف الإرادة القومية.
إن وطننا في حقيقته الجغرافية والتاريخية دولة تنتمي إلى ثلاثة أحواض كبرى: حوض النيل، وحوض الصحراء الأفريقية، وحوض البحر الأحمر، وفي كل حوض له امتداد ومصلحة ومسؤولية ورسالة، لأن هذه الأحواض ليست دوائر خارجية تحيط بالدولة؛ إنها مكونات داخلة في تكوينها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
وهنا ينهض السؤال المؤسس: كيف تحول السودان من أرض تقع بين ثلاثة أحواض إلى دولة تدرك وظائفها فيها، وتدير مصالحها، وتقدم لجوارها مشروعًا للتعاون، وتحمي سيادتها من أطماع المتنافسين؟.
الإجابة تبدأ من الداخل. فالدولة المنقسمة على نفسها تعجز عن أداء رسالة خارج حدودها. وقد أثبتت التجربة السودانية أن الموقع وحده لا يصنع الدور، الدور تصنعه دولة عادلة، ومؤسسات محترمة، وإرادة سياسية تستند إلى رضا الناس، وعقيدة وطنية تعرف المصالح القومية وتفرق بينها وبين مصالح الحاكمين. وكل حديث عن البحر الأحمر أو حوض النيل أو الساحل الأفريقي يظل ناقصًا ما لم يسبقه سؤال الدولة التي ستتحدث باسم السودان، وطبيعة التفويض الذي تحمله، ومقدار التزامها بحقوق مواطنيها.
أولاً: الدولة التي يستحقها الموقع
عاشت بلادنا زمنًا طويلًا تحت إدارة مركزية استحوذت على القرار والثروة والمعرفة، وتركت أطراف البلاد تمد الخزانة بالذهب والزراعة والثروة الحيوانية والموانئ. ولم يكن هذا الخلل عارضًا في السياسات العامة؛ لقد صار طريقةً في بناء السلطة وتوزيع الفرص وصناعة النخب. ومن هذا الخلل ولدت مظالم وحروب كثيرة في أغلب أقاليم السودان.
الدولة الجديدة المنشودة تحتاج إلى عقد اجتماعي يربط الوحدة بالعدالة. فالوحدة القائمة على القهر تتآكل من الداخل، أما الوحدة التي ترعاها المواطنة المتساوية فتكتسب قدرةً على الصمود أمام الحروب والتدخلات الأجنبية.
ويحتاج بلدنا كذلك إلى نظام ديمقراطي يخرج السياسة الخارجية من الغرف المغلقة وموائد الصفقات المريبة. لأن العقود المتعلقة بالموارد والثروات، ينبغي أن تمر عبر مؤسسات دستورية، وتخضع للمراجعة العامة، وتعلن شروطها وآثارها، ولا تترك لوزير المعادن أو رئيس سلطة الأمر الواقع وعصاباتهم الفاسدة. فالسرية في المسائل السيادية باب واسع للفساد والارتهان، والدولة التي تمنح أو تؤجر موقعها لتغطية عجز مالي عاجل قد تبيع من مستقبلها أكثر مما تحصل عليه من حاضرها.
كما تحتاج البلاد إلى جيش قومي حقيقي احترافي ومهني، موحد العقيدة والقيادة، ينحاز إلى الدستور ويحمي الحدود ويصون المجال البحري، وتُرفع عنه أعباء التجارة والسياسة والمنافسة على الحكم، ولا يخضع قائده العام لأمين عام لتنظيم أو رئيس حزب ولا يأتمر بأمر آمر التنظيم الخاص للحركة الإسلامية في الجيش.
ثانياً: حوض النيل: كيف ننتقل به من وعيد المياه إلى وعد الشراكة والحياة؟
إن النيل مورد طبيعي، ورابطة حضارية، ومجال للتكامل بين شعوب المنبع والممر والمصب. غير أن السياسات التي أحاطت به اختزلته في الحصص والسدود والمخاوف الوطنية المنفصلة. وأدى غياب الثقة إلى تحويل كل مشروع في دولة إلى مصدر تهديد لدولة أخرى، مع أن أمن الحوض لا يتجزأ.
السودان يملك موقعًا يؤهله لأداء دور بالغ الأهمية بين دول البحيرات الكبرى وإثيوبيا ومصر، فهو يتأثر بإدارة المياه في هذه الدول، وله احتياجاته المستقلة في الري والطاقة والحماية من الفيضانات. هذه الخصائص تجعل الوساطة السودانية وظيفة نابعة من المصلحة، شريطة أن تتحرر من الاصطفاف المتقلب أو الارتهان لأجندة إحدى الدولتين، وأن تقوم على المعرفة الفنية والإرادة الوطنية.
السياسة السودانية الرشيدة تجاه النيل تبدأ بتحديد مصالح البلاد بدقة: سلامة السدود، وتبادل البيانات، والإنذار المبكر، وتنظيم التشغيل في فترات الجفاف والفيضانات، وحماية منشآت الري، وتقليل الإطماء، وتطوير الطاقة، ورفع كفاءة استخدام المياه. بعدها تنتقل إلى صياغة مبادرة تجمع دول الحوض على قاعدة الانتفاع المنصف، وعدم إحداث ضرر معتبر، والتعاون في إدارة المخاطر، سماها الإمام الصادق المهدي عليه الرضوان “المعادلة الكسبية” التي لا يخسر أيٌّ من أطرافها.
ومن واجب وطننا أن يخرج من عقلية المتلقي لسياسات وتعليمات الآخرين. فمن يملك الأراضي الزراعية، والمياه، والموقع الوسيط، والقدرة على إنتاج الغذاء والطاقة، يستطيع أن يقدم مشروعًا يخدم الحوض كله. وهذا يتطلب دولةً تعرف قيمة مواردها وتديرها بعلم وشفافية، لا سلطةً تفاوض تحت ضغط الأزمة اليومية، ويحتاج قيادة جديرة بالكابينة لا رهينة للنزوات وحبيسة للأزمات.
ثالثاً: الصحراء التي ربطت الشعوب
يرسم الخيال السياسي الحديث الصحراء كحاجز، مع أن التاريخ عرفها طريقًا واسعًا للتجارة والهجرة والدعوة والعلم والمصاهرة. عبرها انتقلت القوافل بين وسط أفريقيا وشمالها، وعلى طرقها نشأت أسواق ومدن وسلطنات وشبكات اجتماعية، والمستقبل يعرفها كمستودع للموارد التي تنبع منها الرقائق والطاقة المتجددة، وبذلك تكون المفتاح الذي يحل كل عقد السودان حال تم إدارتها بحنكة وحكمة.
إن بلادنا جزء أصيل من نطاق الساحل الأفريقي، وما يحدث في دوله يترك أثره في أمنه واقتصاده ومجتمعات حدوده. فالسلاح والذهب والمقاتلون واللاجئون والجريمة المنظمة، والمهربون، والسلع والثروة الحيوانية تتحرك عبر مجال واسع لا تعوقه الحدود. لهذا تحتاج الدولة إلى سياسة صحراوية متكاملة، تجمع الأمن بالتنمية، وتحمي الحركة المشروعة، وتواجه الجريمة المنظمة، وتعيد الحياة إلى الممرات الاقتصادية القديمة في صورة حديثة.
يمكن للسودان أن يقود مشروع ممر قاري يبدأ من البحر الأحمر، ويمر بالقضارف والجزيرة وكردفان ودارفور، ويتصل بتشاد وأفريقيا الوسطى وغرب القارة، وممر آخر يربط ليبيا وتشاد والجنينة وصولاً إلى جنوب السودان. هذا الممر ينبغي أن يجمع الطرق البرية والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات والمناطق الإنتاجية والمناطق الحرة والمدن الجديدة والموانئ الجافة، وعندها تتحول الصحراء من فضاء للهجرة القسرية والتهريب إلى فضاء للتبادل والنمو. كما أن مواجهة التصحر تحتاج إلى تعاون تنموي يتجاوز الحدود، والتنمية هنا تؤدي وظيفةً أمنية؛ فهي تقلل فرص التجنيد في الجماعات المسلحة، وتخفف النزاع حول الماء والمرعى.
رابعاً: البحر الأحمر من منطقة قابلة للاستعمار إلى سيادة قبل الاستثمار
البحر الأحمر من أكثر الممرات حساسية في العالم؛ تمر عبره تجارة دولية ضخمة، وتتنافس حوله قوى إقليمية ودولية، وتتقاطع فيه مصالح الطاقة والموانئ والقواعد والجزر والكابلات البحرية والغاز والنفط والأمن الغذائي وثروات البحر الأحمر في أتلانتس (2)، والسودان يملك ساحلًا ممتدًا وموانئ ومراسي وجزرًا وموارد بحرية وموقعًا يربط البحر بعمق أفريقي واسع.
مع ذلك ظل حضور بلادنا في البحر أقل كثيرًا من قيمة موقعه، وتركزت السياسة في تشغيل الموانئ وتحصيل الإيرادات، وغابت الرؤية التي تنظر إلى المجال البحري باعتباره جزءًا من السيادة والأمن والاقتصاد والمعرفة والبيئة. ونتيجة هذا الغياب، أصبحت العروض الدولية تتقدم على التخطيط الوطني، وتحوّل النقاش إلى سؤال: أي دولة ستدير هذا الميناء؟ وأي دولة ستضع قواعدها العسكرية البحرية؟ بدل السؤال الأهم: ما المنظومة البحرية التي يحتاجها السودان؟.
السيادة البحرية تبدأ بالمعرفة، لأن الدولة تحتاج إلى خرائط دقيقة، وقاعدة بيانات للجزر والمراسي والثروات والأعماق والتيارات والمصائد والشعاب، وإلى جهاز مدني مختص بالتخطيط البحري، وقوة بحرية احترافية ومهنية، وحرس سواحل بمراصد قادرة على حماية المياه ومواجهة التهريب والاتجار بالبشر والصيد الجائر والتلوث. وتحتاج الموانئ إلى إصلاح عميق يرفع الكفاءة ويحمي الملكية العامة ويمنع الاحتكار، ومنع أي ترتيبات تمس القرار السيادي، وهو ما بدأته الحكومة الانتقالية التي قطع طريقها انقلاب البرهان في أكتوبر 2021م.
إن الميناء الناجح يرتبط بظهيره، فإذا تعطلت السكك الحديدية والطرق ومناطق التخزين والإنتاج، صار الميناء عنقًا ضيقًا مهما اتسعت أرصفته، ورأينا كيف استخدمه البرهان في خنق الحكومة الانتقالية حتى هيأ بها أسباب انقلابه.
أما الاقتصاد الأزرق فيفتح مجالات أوسع من تجارة العبور: الصيد المستدام، والاستزراع البحري، وصيانة السفن، والخدمات اللوجستية، والسياحة البيئية، وتحلية المياه، والطاقة البحرية، والبحوث العلمية، والكابلات الرقمية، وكل نشاط من هذه الأنشطة يحتاج إلى مؤسسة وتعليم وتمويل وقانون، وإلى مشاركة حقيقية للمجتمعات الساحلية.
رابعاً: شرق السودان – القلب الذي حُكم عليه بالتهميش
أكبر خطأ في التفكير القومي حول البحر الأحمر يتمثل في فصل الساحل عن أهله، وكأن الموانئ مبانٍ وآلات، وكأن الأرض تنتظر المستثمر، وكأن المجتمعات المحلية طارئة على موطنها، وهو ما تجلى بوضوح حين احتكرت الحكومة المركزية النازحة إلى بورتسودان الأرض والموارد وهمشت شعب الشرق.
إن شرقنا الحبيب هو الظهير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للدولة البحرية، فيه البحر والميناء والزراعة المطرية والمروية والثروة الحيوانية والمعادن والحدود الدولية والممرات التجارية، ومع ذلك ظل الإقليم مهشماً يعاني الفقر ونقص الخدمات وفرص العمل، وظهرت مفارقة صارخة بين ثراء المكان وفقر الإنسان.
تسوية قضية الشرق تحتاج إلى عقد جديد يقوم على المشاركة في الحكم، والعدالة في عوائد الموارد، وحماية حقوق الأرض، واحترام اللغات والثقافات، وتطوير المدن والريف معًا، وينبغي أن يعرف مواطن الشرق نصيبه من إيرادات الموانئ والتعدين والزراعة والمعابر ولا يترك الأمر لرموز وإدارات أهلية تأخذ أنصبتها المالية بـ(الشوالات) وتترك الحصرم والفتات للبسطاء. كما تحتاج الأرض إلى نظام قانوني يعترف بحقوق المجتمعات، وينظم الاستثمار، ويمنع نزع الحيازات بقرارات إدارية مبهمة.
ويحتاج الشرق إلى مجلس تنموي منتخب، وصندوق تمويل خاضع للرقابة، وخطة بعيدة المدى للمياه والزراعة والموانئ والتعليم والصحة والبيئة، كما يحتاج إلى جامعات وكليات ومعاهد بحثية بحرية ومراكز تدريب مهني ترتبط بالموانئ والنقل والطاقة والصيد والصناعات الغذائية.
إن إنصاف شرقنا الحبيب واجب أخلاقي ودستوري، وهو كذلك شرط للأمن القومي. فالساحل الذي يشعر أهله بالإقصاء يبقى مكشوفًا أمام التدخلات والاستقطاب، والساحل الذي يشارك أهله في إدارته وحمايته يصبح أكثر مناعةً أمام الأطماع.
أ. سواكن وبورتسودان – مدينتان لوظيفة وطنية واحدة
سواكن سجل تاريخي حي لعلاقة السودان بالبحر والعالم الإسلامي القديم، أما بورتسودان فهي مركز الدولة البحرية الحديثة وميناؤها الأهم. والمقارنة بينهما لا تستدعي منافسةً مصطنعة؛ المطلوب توزيع ذكي للوظائف.
يمكن لسواكن أن تصبح مدينةً للتراث والثقافة والحج والسياحة والتعليم البحري والحرف والصناعات الإبداعية، بإعادة إعمارها وفق معايير تحفظ عمرانها وذاكرتها ومجتمعها. ويمكن لبورتسودان أن تتطور إلى مدينة لوجستية وصناعية وخدمية متقدمة، تحسن إدارة الميناء والمياه والطاقة والسكن والنفايات والنقل.
والمدينتان تحتاجان إلى اتصال قوي بالداخل. فعلاقة الساحل بالداخل تمنح الميناء قيمته القارية. ومن هذه الرؤية يولد مفهوم الدولة البحرية ذات الظهير القاري: دولة تواجه البحر بموانئ قوية، وتستند في ظهرها إلى مدن إنتاج وطرق وسكك حديدية وأسواق تمتد إلى قلب أفريقيا.
ب. اتفاق البحر الأحمر – الأمن بالتعاون والتنمية
تحتاج بلادنا وكل الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن إلى اتفاق يتجاوز البيانات العامة، لأن الاتفاق المقترح يقوم على احترام السيادة، ومنع استخدام أراضي أي دولة لتهديد الأخرى، وتبادل المعلومات، وحماية الملاحة، ومواجهة التهريب والقرصنة، والاستجابة للكوارث والتلوث، وتنسيق الموانئ، وتطوير التجارة، وحماية المصائد والبيئة البحرية.
ويجب أن تبقى قيادة هذا المجال للدول المشاطئة، مع شراكات منضبطة مع القوى الدولية والمؤسسات المالية، لأن القوى الكبرى ستبقى حاضرة بسبب أهمية الممر. غير أن حضورها ينبغي أن يتحرك داخل قواعد معلنة، لا عبر تفاهمات منفردة تضعف الإقليم، وتفتح باب السباق على القواعد والموانئ والهيمنة الاقتصادية والعسكرية، لأن ذلك سيفتح الباب أمام الحريق وجماعات التطرف.
السودان يستطيع أن يقدم مبادرة عملية تشمل مجلسًا سياسيًا، وسكرتارية فنية، ومركزًا للمعلومات البحرية، وصندوقًا للمشروعات المشتركة، وآليةً للوساطة، وبرامج للمجتمعات الساحلية، ويستطيع أن يعرض موانئه وممراته للتعاون الاقتصادي من موقع الندية، بعد أن يحدد مصالحه ويحصن قراره الداخلي.
ومن المهم إشراك الدول الحبيسة في ترتيبات التجارة والعبور، دون تحويل عضويتها الاقتصادية إلى تدخل في القرارات البحرية السيادية، فهي تحتاج إلى المنافذ، والسودان يحتاج إلى توسيع نطاق خدمة موانئه. هذه المصالح المتبادلة يمكن أن تؤسس لشراكات طويلة المدى.
جـ. حزب الأمة ومهمة التجديد
يحمل حزب الأمة القومي رصيدًا فكريًا وتاريخيًا يجعله مؤهلًا للمساهمة في هذا المشروع. وقد طرح الإمام الصادق المهدي رؤية السودان داخل أحواض النيل والصحراء والبحر الأحمر، وربط الدور الخارجي باستقامة الدولة في الداخل.
لكن الإرث الفكري لا يؤدي وظيفته بمجرد الاحتفاء به. المطلوب تحويله إلى برنامج معاصر، ومؤسسات بحثية، وتشريعات، وتحالفات اجتماعية وسياسية. وعلى الحزب أن يفتح هذه الرؤية أمام القوى الوطنية الأخرى، وأن يقدمها مشروعًا للسودان كله، مع تجنب احتكارها داخل إطار حزبي ضيق. وقبل ذلك كله على قيادة الحزب الانفتاح نحو بعضها وترميم الجراح التنظيمية الداخلية لاستكشاف الخارج الوطني ومداواته.
ويستطيع الحزب أن يبدأ بتأسيس مجلس للأحواض الثلاثة، يضم خبراء المياه والموانئ والاقتصاد والبيئة والأمن والقانون والتاريخ، إلى جانب ممثلين للمجتمعات المحلية والنساء والشباب، كما يستطيع إعداد مشروعات قوانين، وتنظيم مؤتمرات تخصصية، وبناء حوار مع أهل الشرق، وتطوير علاقات مع دول الجوار ومراكز البحث الإقليمية.
والأهم أن يربط الحزب وكافة الأحزاب السودانية المدنية مشروعاتها الديمقراطية القادمة بقضايا الحياة اليومية. فالديمقراطية التي تعجز عن تقديم الماء والطريق والمدرسة وفرصة العمل تفقد قدرتها على إقناع الناس، والتنمية التي تغفل الحرية والعدالة تتحول إلى أداة سيطرة، لأن الدولة الرشيدة تجمع الاثنين: حق المواطن في المشاركة، وحقه في الحياة الكريمة.
خامساً: كيف ننتقل من الدولة “المُستغَلة” المنفعلة إلى الدولة “المستقِلة” المبادرة؟؟
قضت بلادنا سنوات طويلة تتلقى مبادرات الآخرين. وقد آن للسودان أن يصوغ مبادرته الخاصة، فالدولة التي تقع عند ملتقى الأحواض الثلاثة تملك فرصة لبناء سياسة خارجية مستقلة، تجمع الوساطة والتكامل الاقتصادي وحماية البيئة والأمن المشترك.
هذه الرؤية تحتاج إلى صبر مؤسسي، تبدأ بإيقاف الحرب وإعادة تأسيس الشرعية، ثم إصلاح الجيش والخدمة المدنية والقضاء، وإقامة حكم ديمقراطي يشارك فيه الجميع، وبناء مؤسسات للمياه والبحر والصحراء. بعدها يستطيع السودان أن يدخل الإقليم بوجه مختلف: وسيطًا في النيل، وشريكًا في الساحل، وقوةً بحرية مسؤولة في البحر الأحمر، وممرًا للتجارة، ومركزًا للغذاء والطاقة، وجسرًا ثقافيًا بين أفريقيا والعالم العربي.
هذا الموقع الذي جلب الأطماع يمكن أن يجلب الشراكات، والحدود التي عبرتها الحروب يمكن أن تعبرها التجارة، والمياه التي أثارت الخصومات يمكن أن تولد الطاقة والغذاء، والبحر الذي شهد التنافس يمكن أن يصبح مجالًا للتعاون. والفارق بين الاحتمالين تصنعه الدولة ورجالها ونساؤها.
أمامنا فرصة تاريخية لإعادة تعريف أنفسنا كدولة؛ فإما أن يبقى وطننا ساحةً تتدافع فوقها مشروعات الآخرين، أو ننهض كدولةً صاحبة مشروع، تعرف أين تقف، وماذا تريد، وما الذي تقدمه لجوارها والعالم.
ختاماً: إن رسالتنا هذه لا تنبع من ادعاء تفوق أو نزعة توسع؛ تنبع من تركيبة وطننا وموقعه وتجربته. وإذا أحسن استخلاص العبرة، وأقام حكمًا راشدًا، وصان كرامة مواطنيه، استطاع أن يحول هذا التنوع من سبب للنزاع إلى مصدر للحكمة.
عندها يصبح السودان دولة الأحواض الثلاثة: دولة تستمد وحدتها من عدالتها، وسيادتها من مؤسساتها، وقوتها من شعبها، ورسالتها من قدرتها على تحويل الجغرافيا المشتركة إلى سلام ومصلحة وحياة.