تمزق النسيج الأسري.. حرب من نوع آخر في السودان

آلاف حالات الطلاق وأزمة اجتماعية خانقة

 

شيماء تاج السر، المحامية

 

 

 

مع استمرار الحرب في السودان، يدفع المجتمع السوداني ثمنًا باهظًا لا يقتصر على الأرواح والدمار، بل يمتد ليهدم كيان الأسرة، القلب النابض للمجتمع، مسجلًا أرقامًا قياسية في حالات الطلاق تعكس عمق المأساة الإنسانية والاجتماعية.

 

 

حين تُحارَب المدن وتنهار البيوت

 

عندما انطلقت شرارة الحرب في الخامس عشر من أبريل عام 2023، لم تكن ساحات القتال وحدها هي التي تهتز، فقد كان النسيج الاجتماعي السوداني، الذي ظل متماسكًا لعقود، على موعد مع تفكك لم يسبق له مثيل. فبينما كانت القذائف تدكُّ المدن وتشرِّد الملايين، كانت جبهة أخرى أكثر هدوءًا، ولكنها لا تقل تدميرًا، تنفتح داخل البيوت، لتسجل أرقامًا قياسية في حالات الطلاق. وكأن الحرب التي أوقعت الآلاف من القتلى بدأت تأكل ما تبقى من حياة السودانيين، بدءًا من كيانهم الأسري الأكثر قداسة.

لقد تجاوزت تداعيات هذه الحرب المأساة الإنسانية المباشرة إلى عمق البنية الاجتماعية، لتكشف عن حقيقة مرة: أن الحروب لا تقتل الأجساد فقط، بل تقتل العلاقات، وتفكك الأسر، وتزرع بذور التفكك في مجتمعات كانت تُعرف بالتماسك. ففي مشهد لم ترَ له المحاكم السودانية نظيرًا، تحولت قاعات العدل إلى وجهة أخيرة لأسر كانت تجمعها المحبة، لكنها لم تصمد أمام وطأة النزوح والفقر والضغوط النفسية التي لا تُطاق.

 

أرقام صادمة تكشف فداحة الأزمة

 

ترسم الأرقام التي بدأت تتكشف خلال السنوات الثلاث الماضية صورة مقلقة لواقع الأسرة السودانية. فوفقًا لبيانات صادرة عن منظمة لبنة للتنمية ودراسات المجتمع، فقد بلغت حالات الطلاق في السودان خلال عام 2023 وحده حوالي 96 ألف حالة، بارتفاع نسبته 36% عن الأعوام السابقة، وهو ما يعني حدوث 11 حالة طلاق كل ساعة، وأكثر من 8 آلاف حالة شهريًا في ذلك العام.

ومع استمرار الحرب وتوسع رقعتها، كشفت مصادر في السلطة القضائية السودانية عن تسجيل ما لا يقل عن 35 ألف حالة طلاق منذ اندلاع النزاع وحتى منتصف عام 2026، وهو رقم يوصف بأنه “غير مسبوق”، ويعكس “تمزقًا اجتماعيًا” حادًا، وفق ما أكده باحثون في علم الاجتماع.

لكن الأكثر إثارة للقلق هو ما يتحدث عنه مراقبون من أن هذه الأرقام الرسمية المسجلة في المحاكم لا تمثل سوى جزء من الحقيقة. فهناك عدد لا يحصى من حالات الانفصال التي تمت في البيوت دون توثيق رسمي، إما بسبب صعوبة الوصول إلى المحاكم في ظل انقطاع الطرق، أو بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة.

 

الخرطوم في صدارة المشهد.. وتفشي القضايا في كل ولاية

 

بدون مفاجأة، تصدرت ولاية الخرطوم قائمة المناطق الأكثر تسجيلًا لقضايا الطلاق والنفقة. فالخرطوم، التي كانت قلب السودان، تحولت إلى مسرح للمواجهات الأكثر عنفًا، مما أدى إلى نزوح جماعي لسكانها، وتدمير ممتلكاتهم، وتفكك نسيجهم الاجتماعي. والأعداد المهولة التي يتحدث عنها المحامون في محاكم ولاية الخرطوم قد تعكس صورة عن الضغط الهائل على المحاكم في تلك الولاية، وهو ما يتوافق مع تقديرات تشير إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر بكثير مما هو مسجل، خصوصًا إذا أضفنا إليه حالات الطلاق غير الموثَّقة.

 

ولم تقتصر المأساة على الخرطوم، بل امتدت لتشمل ولاية الجزيرة، التي شهدت تحولًا دراماتيكيًا من ملاذ آمن للنازحين إلى ساحة حرب، مما ضاعف الضغوط على الأسر فيها. كما سجلت ولايات دارفور الخمس، التي تعاني أصلًا من نزاعات مزمنة، أعدادًا كبيرة من القضايا الأسرية. وفي المقابل، شهدت ولايات نهر النيل، والشمالية، والبحر الأحمر، والقضارف، وكسلا، التي استقبلت موجات هائلة من النازحين، ارتفاعًا ملحوظًا في قضايا الطلاق والنفقة بسبب الضغوط المعيشية الناجمة عن اكتظاظ السكان وارتفاع تكاليف الإيجار.

 

الحرب قاتل العلاقات الصامت

 

الحرب في السودان لم تكن مجرد صراع عسكري، بل كانت محفزًا قويًا لكشف هشاشة الروابط الأسرية تحت وطأة الظروف القاسية. ويرصد المراقبون والباحثون الاجتماعيون عدة عوامل رئيسية ساهمت في هذا الارتفاع المهول في حالات الطلاق.

 

الانهيار الاقتصادي وفقدان الأمل

 

يعد التدهور الاقتصادي الحاد العامل الأكبر في إذكاء نار الخلافات الأسرية. فمع توقف الرواتب في القطاعين العام والخاص لأكثر من ثلاث سنوات، وفقدان ملايين السودانيين لوظائفهم ومصادر دخلهم، أصيب الرجال بالعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم من مأكل وملبس ومسكن. هذا العجز، الذي يرتبط في الثقافة السودانية بالرجولة والمسؤولية، ولد شعورًا بالإحباط واليأس لدى الأزواج، وضغطًا نفسيًا هائلًا على الزوجات والأطفال، وتحولت البيوت إلى ساحات توتر وصراع بدلًا من أن تكون ملاذًا للطمأنينة.

 

النزوح والسكن الجماعي وغياب الخصوصية

 

بسبب النزوح، اضطرت مئات الآلاف من العائلات إلى اللجوء إلى منازل الأقارب أو مراكز الإيواء المكتظة، وذلك جعل نسبة كبيرة من حالات الطلاق خلال فترة الحرب تتسبب فيها التدخلات الأسرية، خاصة عندما تعيش الزوجة مع أسرة زوجها، مما يحدث احتكاكًا متواصلًا يجعلها تطالب بالعيش بعيدًا عن أهل زوجها. بيد أن إمكانات الزوج لا تسمح بتوفير سكن منفصل. هذا السكن الجماعي، وغياب الخصوصية، وتدخل الأهل في شؤون الأسرة الصغيرة، كلها عوامل غذّت المشاحنات اليومية، وأدت إلى انفجار الخلافات التي كانت قابلة للاحتواء في ظل ظروف طبيعية.

 

تغير الأدوار التقليدية وتحدي السلطة

 

فرضت الحرب تغيرًا جذريًا في الأدوار الاجتماعية التقليدية. فمع غياب الأزواج أو عجزهم عن توفير الدخل، اضطرت النساء إلى تحمل مسؤوليات اقتصادية كانت تقع في السابق على عاتق الرجال، سواء بالبحث عن عمل أو بإدارة شؤون الأسرة في ظل شح الموارد. هذا التحول، رغم أنه ضروري للبقاء، خلق توترًا في العلاقة بين الزوجين، حيث شعر بعض الرجال بتهديد لهيمنتهم التقليدية، بينما شعرت نساء بأنهن أصبحن غير محتاجات لدعم أزواجهن، مما أدى إلى تصدع في بنية السلطة الأسرية التقليدية.

 

حكايات لانهيار بيوت من واقع الحرب

 

عذاب النزوح وفقدان الخصوصية

تقول (ن.م)، وهي امرأة في الثلاثينيات من عمرها، إنها نزحت مع زوجها وطفليها من منزلهم في الخرطوم إلى منزل والدة الزوج في مدينة ود مدني، حيث تعيش العائلة الممتدة. ومع مرور الأيام، تحولت العلاقة بينها وبين أم زوجها وأخواته إلى جحيم يومي. كانت كل حركة منها مراقبة، وكل كلمة تقال تفسر بشكل خاطئ. ولم تجد (ن.م) أي مساحة للتنفس أو الخصوصية مع زوجها وأطفالها. ومع تصاعد الخلافات، وقف الزوج في حيرة بين أمه وزوجته، لكنه في النهاية انحاز لأمه، معتبرًا أن وجودها في المنزل بمثابة “ضيف”، يجب أن تتكيف مع الوضع القائم. لم تستطع (ن.م) تحمل هذا الواقع، ورفضت الاستمرار في العيش دون أي كرامة أو استقلالية، لتتقدم بطلب الطلاق من زوجها، منهية بذلك زواجًا استمر لأكثر من خمس سنوات، لكنه لم يصمد أمام اختبار النزوح وفقدان الخصوصية.

 

انهيار العش تحت وطأة الفقر

أما (م.م)، فهو شاب في الأربعينيات، كان يعمل في الخرطوم، وكان يعيل زوجته وثلاثة أطفال. بعد اندلاع الحرب، فقد مصدر رزقه الوحيد، واضطرت العائلة للنزوح إلى مدينة بورتسودان، حيث استأجروا غرفة صغيرة. ومع مرور الأشهر، أصبح غير قادر على توفير الطعام الكافي لأطفاله. هذا الوضع أثر بشدة على نفسيته، فتحول من زوج حنون إلى رجل سريع الغضب، دائم التشاؤم، وأخذ يلوم زوجته على كل صغيرة وكبيرة. وفي المقابل، كانت زوجته، التي تحملت في البداية بصبر، تجد نفسها مضطرة للرد على اتهاماته، مما كان يؤدي إلى مشادات كلامية عنيفة. وفي أحد الأيام، وبعد مشادة حادة، صرخت الزوجة في وجهه بأنها لم تعد تحتمل عجزه وإحباطه، وطلبت الطلاق. انهار الزواج الذي بُني على الحب والتفاهم، لأنه لم يصمد أمام ثقل الفقر وانعدام الأمل.

 

الإطار القانوني للطلاق في السودان: أحكام قانون الأحوال الشخصية

 

لفهم أبعاد هذه الظاهرة، من المهم التعرف على الإطار القانوني الذي يحكم الطلاق في السودان، وهو قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، الذي يستند بشكل أساسي إلى أحكام الشريعة الإسلامية.

 

أنواع الطلاق

يقسم القانون الطلاق إلى عدة أنواع رئيسية، أهمها:

الطلاق بيد الزوج: وهو حق أصيل للزوج، ويمكنه أن يوقع الطلاق دون حاجة إلى تدخل المحكمة، لكنه ملزم بتوثيقه لتترتب عليه آثاره القانونية، وخاصة فيما يتعلق بحقوق الزوجة المالية.

 

الخُلع: وهو الطلاق بطلب من الزوجة مقابل فدية تدفعها للزوج، وغالبًا ما تكون بتنازلها عن حقوقها المالية، كمؤخر الصداق ونفقة العدة. ويعتبر آلية مهمة مكنت العديد من النساء من إنهاء زواجهن دون الحاجة إلى إثبات ضرر، وهو ما يفسر ارتفاع قضايا الطلاق في المحاكم خلال فترة الحرب.

 

التطليق (الفسخ) بقرار قضائي: وهو الطلاق الذي تصدره المحكمة بناءً على طلب الزوجة إذا أثبتت ضررًا ملموسًا من الزوج يمنع استمرار الحياة الزوجية، كالعنف، أو الهجر، أو العجز عن الإنفاق، أو الغياب الطويل. وهنا تتدخل المحكمة لتقييم الأدلة، وتصدر حكمها بالفصل.

 

شروط وإجراءات الطلاق في المحاكم السودانية

 

تتطلب إجراءات الطلاق الرسمية في المحاكم السودانية ما يلي:

تقديم الدعوى: تبدأ الدعوى بتقديم طلب رسمي إلى محكمة الأحوال الشخصية المختصة بمكان إقامة الزوجة أو الزوج.

محاولة الصلح: قبل البتِّ في الدعوى، تلجأ المحكمة إلى تشكيل لجنة من حكمين من أهلي الزوجين لمحاولة الصلح بينهما وإصلاح ذات البين، تماشيًا مع أحكام الشريعة التي تحث على الإصلاح قبل اللجوء إلى الفراق. وإذا فشلت جهود الصلح، تأذن المحكمة بالفراق.

إثبات الضرر في قضايا التطليق: في حال طلبت الزوجة التطليق، يقع عليها عبء إثبات الضرر أمام المحكمة بالشهود، أو المستندات، أو الأدلة الطبية، إن وجدت.

 

آثار الطلاق: بعد صدور حكم الطلاق، تترتب عليه آثار قانونية، أهمها:

النفقة: يجب على الزوج أن ينفق على زوجته المطلقة خلال فترة العدة.

المتعة: وهي تعويض مالي تقرره المحكمة للزوجة المطلقة التي لم تكن هي السبب في الطلاق.

الحضانة: تحدد المحكمة أحقية الأم بحضانة الأطفال حتى سن معينة، غالبًا سبع سنوات للذكر وتسع للأنثى، مع إمكانية التمديد، وذلك وفقًا لمصلحة الطفل حسب تقدير المحكمة.

 

تحديات قانونية إضافية في زمن الحرب

 

واجه النظام القضائي السوداني تحديات كبيرة في تطبيق هذا الإطار القانوني خلال الحرب. فانهيار البنية التحتية للمحاكم في كثير من الولايات، وتدمير السجلات، ونزوح القضاة والمحامين، وتوقف الكثير من الدوائر القضائية عن العمل، كل ذلك أدى إلى تراكم القضايا وتأخر الفصل فيها. هذا التباطؤ في الإجراءات أضاف عبئًا نفسيًا وماديًا على الأسر المتنازعة، ودفع الكثيرين إلى اللجوء إلى الطلاق العرفي أو الانفصال غير الموثق، مما خلق أوضاعًا قانونية معقدة، وترك النساء والأطفال دون حماية قانونية كافية.

 

نحو إعادة بناء ما دمرته الحرب

 

تبقى أرقام الطلاق في السودان، سواء كانت 35 ألفًا أو أكثر، مجرد مؤشر على جروح عميقة في المجتمع تتجاوز حدود الإحصاءات. إنها تعكس انهيارًا في منظومة القيم والأسرة، وتشير إلى حجم الكارثة الإنسانية والاجتماعية التي خلفتها حرب أبريل 2023، والتي لن تلتئم جراحها بمجرد توقف إطلاق النار.

فإعادة بناء السودان تتطلب إعادة بناء النسيج الاجتماعي الممزق، وهذا يستدعي تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني لتقديم برامج الدعم النفسي والاقتصادي للأسر المتضررة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *