تحت ظلال البندقية كيف يسعى البرهان لتحويل ميزان القوة العسكرية إلى شرعية سياسية؟

تقرير خاص: (ديسمبر)

 

في خطابه الأخير، طرح قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان مبادرة لـ«حوار سوداني-سوداني» من الداخل، مقدِّماً إياها كمسار للخروج من الحرب. لكن المبادرة سرعان ما اصطدمت بسؤال يتجاوز مجرد المشاركة في الحوار: هل يمكن لسلطة تمسك بمفاصل الدولة وتخوض حرباً مع قوة مسلحة منافسة أن تكون في الوقت نفسه طرفاً في النزاع وضامناً للعملية السياسية التي يفترض أن تعيد تشكيل السلطة بعد الحرب؟.

ترى قوى مدنية معارضة أن تصميم المبادرة قد يقود إلى تثبيت موازين القوة التي أفرزتها الحرب سياسياً، بينما يقدمها أنصارها باعتبارها محاولة لاستعادة المبادرة السياسية من المسارات الخارجية وإطلاق حوار سوداني من الداخل.

 

هندسة الدعوة

 

حرص البرهان في خطابه على الفصل بين الدولة والحوار، مشيراً إلى أن المبادرة جاءت من «مجموعة وطنية» تحركت من تلقاء نفسها، وأن الدولة وافقت فقط على توفير الدعم اللوجستي والأمني. وهذه النقطة هي مفتاح المبادرة برُمَّتها. فإذا كانت الدولة لا تملك الحوار، فمن يملك فعلياً قرار تشكيله؟.

ويقر عضو لجنة مبادرة الحوار، المحامي نبيل أديب، في حوار لـ«صوت الامة»، أن اللجنة لا تملك إصدار أوامر أو تقديم آراء ملزمة للمتحاورين، وأنها تشكلت من قِبَل أعضائها ولا تحتاج إلى جهة لتعيينها، فيما يقتصر دورها على تقديم المقترحات والعمل على إزالة العوائق أمام الحوار.

الإجابة، وفقاً لقوى معارضة، تكمن في أن الاستقلال لا يُقاس بمن يترأس الاجتماعات، وإنما بمن يمتلك القدرة على تحديد قواعد اللعبة قبل أن تبدأ.

ويرى الخبير القانوني إسماعيل التاج أن دعوة البرهان للحوار تواجه «تحدي المشروعية»، في ظل ما يصفه بفراغ دستوري منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021. ويقول إن البرهان شارك في «تمزيق» الوثيقة الدستورية، وإن السودان ظل منذ ذلك الحين يُحكم «بدون دستور» عبر أوامر ومنشورات يصدرها البرهان. ويحذر التاج من مغبة دخول القوى السياسية في حوار «لا تملك مفاتيحه»، مستنداً إلى نمط متكرر في تجارب الحوارات بين القوى المدنية والأنظمة العسكرية في السودان، حيث انتهت تلك العمليات إلى تعزيز موقع السلطة القائمة بدلاً من تفكيكها.

في ذات السياق، تذهب الصحفية والمحللة السياسية رشا عوض إلى أن الإشكال لا يتوقف عند الجهة التي تدير الحوار، بل يمتد إلى طبيعة الدولة التي يفترض أن تضمن استقلاله. وترى أن الدولة التي يقول البرهان إنها لن تتدخل في الحوار هي، عملياً، السلطة التي يسيطر عليها، ما يجعل الفصل بين «الدولة» و«الجهة الداعية» موضع شك.

وتذهب رشا إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الدولة التي يتحدث عنها البرهان سبق أن حسمت تعريف «الوطني» بأنه المساند لسلطته والمصطفّ خلفه في الحرب، وأن القوى التي وُصفت بـ«الوطنية الأصيلة» هي ذاتها من صمّم مبادرة الحوار وحدد أجندته، بما يجعله — في وصفها — «مفصّلاً على مقاس البرهان» منذ البداية.

وفي هذا السياق، تكتسب الاتصالات التي أجراها البرهان مع شخصيات وكتل سياسية مختلفة أهمية خاصة. شملت المشاورات أحزاباً وقيادات صوفية وإدارات أهلية ولجان مقاومة وأكاديميين. بينما تحدثت تقارير عن اتصالات مع قيادة تحالف «صمود» وعروض لتخفيف القيود. يمكن قراءة هذه التحركات كمحاولة جادة لتوسيع قاعدة الحوار، لكن القراءة الثانية – والتي يتبناها خصوم المبادرة – تراها محاولة لإعادة توزيع التمثيل المدني، بحيث لا تبقى القوى المناهضة للحرب صاحبة الكتلة السياسية الأوسع، بل التفاوض مع مجموعة أكبر وأكثر تشتتاً من القوى المدنية، مما يسهل عملية احتوائها وتفتيتها.

وتصف رشا حوار البرهان بأنه «أقل شأناً» من «وثبة البشير» عام 2014، وهي، رغم اتساعها، انتهت بانهيار سلطة البشير نفسها. وتحذر من أن حوار البرهان، على العكس، لن يفضي إلى تغيير حقيقي، بل «سيكرّس سلطة أمر واقع عسكرية» ويعمّق الانقسام الوطني بدلاً من معالجته.

 

حصانة مؤقتة

 

يحاول البرهان معالجة إحدى أكثر العقبات حساسية أمام مشاركة المعارضين: الخوف من الملاحقة القانونية. لكنه لم يعلن عفواً عاماً، بل ميّز بين وقف الإجراءات الجنائية القائمة مؤقتاً وبين إسقاط المسؤولية القانونية، مع منح حماية دائمة للآراء المطروحة داخل جلسات الحوار.

ويشير إسماعيل التاج إلى أن وقف الإجراءات الجنائية يختلف قانوناً عن العفو؛ فالمادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية تمنح وزير العدل سلطة تقديرية في وقف الإجراءات بعد اكتمال التحري، على أن يكون القرار مسبباً وخاضعاً للمراجعة القضائية.

غير أن التاج يذهب إلى ما هو أبعد من هذا التوصيف الإجرائي، إذ يرفض مبدأ الحصانة المطروحة أصلاً، معتبراً أنها لا تستقيم مع القانون الدولي الذي لا يعترف بأي حصانة — مؤقتة كانت أو دائمة — لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

ويذهب التاج إلى حد وصف الدعوة للحوار بأنها تمثل «أسوأ نداء للحوار السياسي في التاريخ»، كاشفاً التناقض الجوهري فيها: «إنها تخاطب القوى السياسية التي تناهض حرب 15 أبريل 2023 وتناهض أيضاً الأسباب التي أدت إلى تلك الحرب، ومن بينها انقلاب 25 أكتوبر 2021، وتقول لها: تعالوا لنتوصل إلى اتفاق سياسي بهدف توطيد مكانتي وموضع القوى السياسية والعسكرية التي ساندتني، وعندما نُنهي ذلك التأطير، سنلاحقكم قضائياً». ويختتم التاج تحليله بسؤال بلاغي لاذع: «هل هناك سوء إخراج أكثر من ذلك؟».

ويتقاطع هذا الملف مع عنصر آخر يثير جدلاً واسعاً: موقف المبادرة من الإسلاميين. فبينما يُستبعَد «المؤتمر الوطني» رسمياً، يرى «التيار الثوري الديمقراطي» وقوى مدنية أخرى أن استبعاد التنظيم من قائمة المشاركين لا يعني بالضرورة غياب نفوذه عن العملية السياسية.

في هذا الإطار، يذهب القيادي في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» خالد عمر يوسف إلى أبعد من التوصيف العام، إذ يتهم صراحة بأن خطاب البرهان صيغ داخل أروقة المؤتمر الوطني، واصفاً إياه بأنه تلخيص لورقة أصدرها القيادي الإسلامي أحمد هارون في فبراير 2025 بعنوان «أجندة المستقبل»، وأن اللمسات الأخيرة عليه وُضعت خلال اجتماعات عُقدت في تركيا بحضور تيارات من الحركة الإسلامية.

هنا تبرز واحدة من أخطر المعضلات التي يحذر منها المحلل السياسي فؤاد حكمت عبر تحليل على صفحته بفيسبوك، فالسودان لم يعد منقسماً فقط بين قوتين عسكريتين، بل بات يشهد تدريجياً نشوء منظومتين متنافستين للسلطة السياسية. ففي دارفور، يعمل تحالف «تأسيس» و«الدعم السريع» بصورة متزايدة على بناء مؤسسات سياسية وإدارية وأمنية موازية.

لذلك، فإن حواراً يستبعد بصورة دائمة كلاً من «تأسيس» والتيارات الإسلامية، قد يعمّق الانقسام ذاته الذي يُفترض أن يعالجه. لكن هذا لا يعني المساواة بين الطرفين أخلاقياً، ولا منح أي منهما حصانة أو شرعية تلقائية. كما يؤكد حكمت، فإن «عمليات السلام يجب أن تميز بين المشاركة في إنهاء النزاع، وبين الاستحقاق السياسي في مرحلة ما بعده». فليس من الضروري أن يجلس كل فاعل على طاولة اللجنة التحضيرية منذ البداية، لكن القوى القادرة على تعطيل أي تسوية لا يمكن ببساطة استبعادها إلى أجل غير مسمى، وإلا تحول الحوار إلى أداة لتكريس التقسيم الجغرافي والمؤسسي للبلاد.

ويقدم نبيل أديب تفسيراً مختلفاً لطبيعة هذه الضمانات. فهو يرى أن الاتهامات الموجهة من أجهزة الدولة إلى الراغبين في المشاركة ينبغي إسقاطها دون أي تعسف، استناداً إلى قاعدة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، بينما تُجمّد البلاغات المقدمة من جهات أو أشخاص، مع منح المشكو ضدهم حصانة إجرائية مؤقتة. ولا يقصر أديب الحماية على المشاركين في الحوار، إذ يرى أن «المتحاورين لهم حصانة كاملة، ولكن يجب أن يتمتع الجميع بالحصانة حتى تتوفر أجواء حرية الحوار».

 

صراع الشرعية

 

يزيد التزامن بين الحوار والتحركات القضائية من حساسية المشهد. فبعد صدور أحكام غيابية بالإعدام بحق قيادات بارزة في «الدعم السريع»، يأتي خطاب البرهان متضمناً حديثاً عن وقف الإجراءات القانونية تجاه بعض المشاركين في الحوار. قد تكون هذه الملفات منفصلة قانونياً، لكن سياسياً، يصعب تجاهل أنها تجري ضمن معركة أوسع على الشرعية. الجيش يحاول تقديم نفسه بوصفه مؤسسة الدولة الرسمية، بينما أنشأ «الدعم السريع» هياكل سياسية موازية.

وفي الوقت الذي يدفع فيه البرهان نحو حوار داخلي، تواصل «الآلية الخماسية» مشاوراتها من الخارج. وهكذا أصبح أمام السودان مساران يتنافسان على تحديد مستقبله: مسار تقوده السلطة من الداخل، ومسار تدعمه الآلية الدولية والإقليمية. لكن الازدواجية تطرح سؤالاً أكبر من تنسيق المبادرات: أي المسارين يملك حق تعريف العملية السياسية السودانية؟.

ويتمثل أحد أبرز المخاوف التي تطرحها قوى معارضة في أن تتحول المبادرة إلى أداة لتحويل الحرب من قضية ينبغي إنهاؤها إلى حقيقة ينبغي تنظيم آثارها سياسياً، مما يؤدي إلى شرعنة تعدد القوى المسلحة، ومنح أمراء الحرب وزناً سياسياً يتناسب مع القوة العسكرية التي يمتلكونها.

لكن أديب يقدم تصوراً مختلفاً بشأن موقع إنهاء الحرب في العملية. فهو يوضح أن وقف الحرب لم يُدرج هدفاً محدداً للجنة، التي تطرح بدلاً منه «إنهاء الأزمة السودانية والعودة إلى الانتقال» كأهداف غير ملزمة للمتحاورين. وفي الوقت نفسه، لا يستبعد أديب أن يصبح إنهاء الحرب إحدى مخرجات العملية إذا توافق المشاركون عليه، لكنه يرى أن الداعين إلى وقف الحرب مطالبون بتقديم رؤية متكاملة لكيفية تحقيقه.

 

اختبار حقيقي

 

السودان يعرف هذا السيناريو جيداً. فقد سبق لنظام عمر البشير أن أطلق «الحوار الوطني» بين 2014 و2016، لكن العملية عانت من مقاطعة قوى معارضة رئيسية، وانتهت إلى مخرجات لم تستطع أن تتحول إلى تسوية سياسية مستقرة، بل كانت مقدمة لانهيار جديد.

قد يكون من السهل عقد مؤتمر حوار في بورتسودان أو الخرطوم، وجمع عشرات القوى السياسية حول طاولة واحدة. لكن الاختبار الحقيقي سيكون في اليوم التالي لتشكيل اللجنة التحضيرية: هل تختار أعضاءها باستقلال عن السلطة؟ هل تستطيع دعوة قوى تنتقد الجيش علناً؟ هل تضع وقف إطلاق النار والعدالة وإعادة بناء القطاع الأمني ضمن أجندتها؟ وهل تكون مخرجاتها ملزمة للجهة التي وفرت لها الحماية؟.

الفرق بين الحوار الذي يغيّر السلطة، والحوار الذي يساعد السلطة على إعادة تقديم نفسها، ليس في عدد المشاركين، بل في قدرة المشاركين على مناقشة مستقبل الدولة من دون أن يكون مستقبلهم الشخصي رهناً بالسلطة التي دعت إلى الحوار. فالسلام لا يصبح سودانياً لمجرد أنه يُعقد داخل السودان، والحوار لا يصبح مستقلاً لمجرد أن الدولة تقول إنها لن تديره. الملكية السودانية للعملية السياسية تُثبتها قواعدها لا اسمها.

وإذا كان البرهان جاداً في أن تكون الدولة مجرد ضامن، فإن أفضل اختبار لذلك هو أن يقبل منذ البداية بأن تكون اللجنة التحضيرية مستقلة عنه، وأن تكون أجندتها مفتوحة، وأن تكون اللجنة قادرة على مساءلة السلطة نفسها، ومناقشة مستقبل الجيش والدولة والعدالة دون أن تتحول الضمانات التي تمنحها السلطة إلى أدوات ضغط على المشاركين. عندها فقط يمكن أن يتحول حوار الداخل من أداة لإدارة آثار الحرب إلى وسيلة لإنهائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *