قاموس الخصومة السياسية في السودان

من التنابز بالألقاب إلى تصنيف الناس

رفعت مكاوي

 

في السنة الثانية من الحرب، مررت بمجموعة من الأطفال في مدينة كوستي يلعبون «عسكر وحرامية». لعبة قديمة لعبناها نحن أيضًا ونحن صغار، لكن شيئًا في لعبتهم لم يكن قديمًا. كان الأطفال قد قسموا أنفسهم إلى معسكرين، وسمعت بينهم كلمات مثل «جنجويد» و«فلنقاي»، يطلقها كل فريق على الآخر.

توقفت عند المشهد.

هؤلاء الأطفال لم يصنعوا الحرب، وربما لا يعرفون لماذا بدأت، ولا يستطيعون أن يشرحوا من يقاتل من ولماذا. لكن شيئًا من الحرب كان قد وصل إليهم بالفعل: قاموسها.

وصلت إليهم الأسماء قبل أن يفهموا المعاني، وانتقلت خصومة الكبار إلى لعبة الصغار.

وربما لا ينبغي أن يفاجئنا ذلك كثيرًا. فنحن السودانيين لم نبدأ مع هذه الحرب في اختراع الأسماء لخصومنا. لكل مرحلة من تاريخ السياسة السودانية قاموسها الخاص للخصومة. وأقصد بالخصومة هنا ذلك الجانب من السياسة الذي لا نكتفي فيه بالاختلاف مع الآخر، وإنما نبحث له عن اسم أو لقب يختصره، وأحيانًا يسخر منه أو يقلل من شأنه أو يشكك في وطنيته.

تتغير الكلمات وتتغير الجماعات التي تطلقها، لكن عادة قديمة ظلت معنا: أن نختصر خصمنا في اسم، ثم نتعامل أحيانًا مع الاسم بدلًا من أن نتعامل مع الإنسان.

وقبل أن يسمع أطفال كوستي «جنجويد» و«فلنقاي»، وقبل أن نعرف نحن «فلول» و«قحاطة» و«بلابسة»، كانت لنا أسماء أخرى.

في زمن مؤتمر الخريجين كان هناك «الشوقيون» و«الفيليون»، ثم الأنصار والختمية والأشقاء، والاتحاديون والاستقلاليون. ومع اشتداد الخلاف حول مستقبل السودان وعلاقته بمصر وبريطانيا، أصبح هؤلاء عند خصومهم «عملاء مصر»، وأولئك «عملاء بريطانيا». ومنذ وقت مبكر، لم يعد كافيًا أحيانًا أن يكون خصمك مخطئًا؛ كان من المفيد في الخصومة أن يكون مشكوكًا في وطنيته أيضًا.

ثم جاءت أكتوبر ومايو، وتغيرت السياسة فتغير القاموس معها: «الرجعيون» و«الطائفيون» و«الإقطاعيون»، وبعد سقوط مايو ظهر «السدنة». وفي سنوات الإنقاذ والحرب مع الحركة الشعبية دخل »الطابور الخامس» إلى لغة الخصومة، حتى أصبح الاعتراض على الحرب قادرًا على إثارة سؤال آخر: هل أنت ضد الحرب؟، أم أنك تقف مع العدو؟.

وبعد سقوط نظام البشير استمر القاموس في إنتاج أسمائه. فعندما دعا أنصار النظام السابق إلى مسيرات «الزحف الأخضر»، التقط خصومهم كلمة «الزحف» وأطلقوا عليهم »الزواحف«، وما بدأ سخرية من اسم مسيرة تحول إلى اسم متداول لجماعة من الناس.

وربما تختصر حكاية «الزواحف» الطريقة التي يعمل بها قاموس الخصومة:

تبدأ الكلمة سخرية، ثم تصبح لقبًا، ثم يصبح اللقب اسمًا للجماعة.

ثم جاءت «فلول» و«قحاتة» و«بلابسة» وغيرها.

كأن لكل جيل سوداني قاموسه، لكنه يورث الجيل الذي يليه عادة التنابز نفسها.

والطريف أن كل جماعة تقريبًا تكره الاسم الذي يطلقه عليها خصومها، لكنها لا ترى المشكلة نفسها في الاسم الذي تطلقه هي عليهم. نريد من الآخرين أن يسمونا بما نحب، ونصر نحن على تسميتهم بما يكرهون.

وكأن لدينا قاعدة غير مكتوبة: لا تسمِّني بما أكره، لكن دعني أسميك بما تكره.

مع أن تراثنا الديني والأخلاقي يقول لنا العكس. يقول القرآن: »ولا تنابزوا بالألقاب«، ونعرف من هدي الرسول ﷺ أنه »كان يُعجبه أن يُدعى الرجل بأحب أسمائه إليه، وأحب كناه«. ويقول الرسول ﷺ: »لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه«، وفي الإنجيل يقول السيد المسيح عليه السلام: »وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضًا بهم هكذا

والقاعدة، في النهاية، بسيطة:

لا تطلب لنفسك اسمًا محترمًا، ثم تصر على أن تسمي الآخر بما يكره.

إلى هنا قد تبدو الحكاية جزءًا من خشونة السياسة، وربما في بعضها ما يدعو إلى الابتسام.

لكن المشكلة أن القاموس لم يبقَ في السياسة.

خرج من الحزب إلى المنطقة، ومن الفكرة إلى القبيلة، ومن الموقف إلى اللهجة واللون والسحنة.

وهنا لم تتغير الكلمات فقط، بل تغيرت طبيعة القاموس نفسه.

فأن أصف شخصًا بأنه اتحادي أو شيوعي أو إسلامي، أو حتى أن أطلق عليه وصفًا سياسيًا ساخرًا، ليس هو الشيء نفسه كأن أحكم عليه بسبب قبيلته أو منطقته أو لون بشرته. الأول يتعلق، في الأصل، بموقف أو انتماء يمكن للإنسان أن يختاره أو يراجعه أو يتركه. أما الثاني فيتعلق بشيء لم يختره أصلًا.

وصار عندنا «غرابي» و«ود بحر» و«جلابي» وغيرها. وقد تكون بعض هذه الكلمات في أصلها مجرد وصف للمكان أو الجماعة ولا مشكلة فيها. المشكلة تبدأ عندما تقال بسوء قصد؛ حين لا يراد منها أن تخبرنا من أين جاء الشخص، وإنما أن تخبرنا مسبقًا من يكون، وماذا يفكر، ومع من يقف.

ثم نذهب أحيانًا إلى أبعد من ذلك.

في بلد تمتد فيه بعض القبائل والمجتمعات على جانبي الحدود، أصبح وصف »الأجنبي «نفسه أداة من أدوات الخصومة. فيقال لسوداني إنه «تشادي» لأن جماعته ممتدة بين السودان وتشاد، أو «إريتري» لأن جماعته موجودة على جانبي الحدود السودانية الإريترية.

وليس في أن يكون الإنسان تشاديًا أو إريتريًا أو مصريًا ما ينتقص منه، ولشعوب هذه البلدان منا كل الاحترام. المشكلة في سوء القصد من الكلمة؛ حين لا تستخدم لوصف جنسية الإنسان، وإنما لنزع جنسية إنسان آخر.

وليس هذا السؤال جديدًا تمامًا في تاريخنا. ففي أول انتخابات برلمانية في السودان عام 1953، طُعن في أهلية عبد الله خليل للترشح بدعوى أنه مصري الجنسية. ولم تعتبر المحكمة ما ورد في شهادة ميلاده دليلًا قاطعًا على ذلك، بل على نقيض ذلك وجدت إشارات أخرى تؤيد غير ذلك وهي أن أسلاف المطعون ضده المذكور قد أقاموا في السودان منذ عام 1897 وانتهت إلى رفض الطعن. والمفارقة أن الرجل الذي جرى التشكيك في سودانيته أصبح بعد سنوات قليلة رئيسًا لوزراء السودان.

وعبد الله خليل كان من الكنوز، وهي من الجماعات النوبية الممتدة عبر الحدود السودانية المصرية. ولا نعرف من النص المتاح للقضية ما إذا كان هذا الامتداد وراء وصفه بالمصري أم لا. ولذلك لا حاجة لأن نفترض ذلك.

تكفينا المفارقة نفسها.

من الذي يملك أن يقول لسوداني: أنت لست سودانيًا؟

فالمشكلة في التصنيف أنه لا يكتفي أحيانًا بأن يحكم عليك، بل قد يسلبك حتى حقك في تعريف نفسك بنفسك.

نسمع الاسم فنخمن القبيلة. نسمع اللهجة فنحدد المنطقة. نعرف المنطقة فنفترض الجماعة. وإذا كانت الجماعة ممتدة عبر الحدود، قد نختار لصاحبها حتى جنسيته.

نبدأ بتخمين قبيلته من اسمه، ثم من قبيلته نحدد بلده، وفي النهاية نقول لسوداني: أنت أجنبي.

ثم جاءت هذه الحرب، وأصبح الأمر أقل طرافة بكثير.

لم يكن مطلوبًا منك أحيانًا حتى أن تتكلم. كانت بطاقتك الشخصية تستطيع أن تتكلم نيابة عنك:

الاسم. المهنة. مكان الميلاد. العنوان.

معلومات عادية، الغرض منها أن تعرّف بك، لكنها في ظرف الحرب يمكن أن تضعك في مكان لم تتخيل يومًا أن بطاقة صغيرة يمكن أن توصلك إليه.

فالاسم قد يصبح قبيلة، ومكان الميلاد قد يصبح ولاءً، والعنوان قد يصبح موقفًا، والمهنة قد تفتح بابًا آخر للشك.

وسمعت بشاب اسمه عقيد. حمل هذا الاسم طوال حياته من غير أن تكون له علاقة بالرتبة العسكرية. لكن الحرب أعطت الاسم معنى آخر. قرر ألا يتحرك من الخرطوم خشية أن يقرأ شخص ما اسمه عند نقطة تفتيش باعتباره رتبة عسكرية، فتفتح عليه كلمة واحدة في بطاقته أسئلة وشبهات لا علاقة لها به. لم يغيّر عقيد اسمه. الحرب هي التي غيّرت معنى اسمه.

وهكذا لا يعود السؤال دائمًا: ماذا فعل هذا الرجل؟

بل:

ما اسمه؟ من أين جاء؟ من أهله؟ وأين كان يسكن؟

وهنا نصل إلى أخطر تحول في الحكاية.

هناك فرق بين أن نقول:

»فلان ارتكب جريمة

وأن نقول:

»هؤلاء مجرمون

في الأولى نسأل: ماذا فعل فلان؟ أين الدليل؟ ومن أمر أو خطط أو ساعد؟ وإذا ثبتت المسؤولية، يحاسب صاحبها.

أما الثانية فلا تحتاج إلى كل هذا التعب. يكفي أن يكون الشخص واحدًا من «هؤلاء»: يحمل الاسم، أو ينتمي إلى الجماعة، أو ولد في المكان الخطأ.

وهكذا ننتقل من جريمة لها مرتكب إلى جماعة عليها ذنب.

وهذا لا يعني أن الجرائم لا ترتكبها جماعات منظمة أو قوات مسلحة، أو أن المسؤولية تقتصر على من نفذ الفعل بيده. فهناك من يأمر ويخطط ويساعد، وهناك مسؤولية للقيادات والتنظيمات والقوات. لكن شيئًا من ذلك لا يجعل المسؤولية تنتقل تلقائيًا إلى كل من يحمل اسم الجماعة أو ينتمي إلى القبيلة أو جاء من المنطقة نفسها.

الجريمة لها مرتكب، وليست لها قبيلة.

والمشكلة هنا لم تعد لغوية فقط.

فإذا ارتكب فلان جريمة، يمكن أن أطالب بمحاسبته. وإذا كان خصمي يحمل السلاح، يمكن أن أطالب بنزع سلاحه. وإذا اختلف معي سياسيًا، يمكن أن أجادله أو أتنافس معه أو أتفاوض معه.

لكن إذا أقنعت نفسي بأن »هؤلاء» بطبيعتهم مجرمون أو خونة أو خطر على البلد، فما الذي سيقنعني بإيقاف الحرب معهم؟.

التفاوض سيبدو خيانة، والتسوية ستبدو تنازلًا، وحتى الحديث عن السلام قد يصبح موضع اتهام.

وهكذا ننتقل من سؤال:

كيف نوقف ما يفعله هؤلاء الأشخاص؟

إلى سؤال أخطر:

كيف نتخلص من هؤلاء؟

حين نقول »فلان فعل« نستطيع أن نسأل عما فعل، ونبحث عن الدليل، ونحدد المسؤولية.

أما حين نقول »هؤلاء هكذا«، فنكون قد حكمنا على جماعة قبل أن نسأل أفرادها ماذا فعلوا.

الأولى تقودنا إلى المسؤولية.

والثانية تقرِّبنا من الذنب الجماعي.

ومن الذنب الجماعي يصبح الانتقام الجماعي أقرب مما نتصور.

والأخطر أن فكرة «هؤلاء» قد تعيش أطول من الحرب نفسها.

فالبنادق يمكن أن تصمت، ونقاط التفتيش يمكن أن تختفي، لكن الصور التي صنعتها الحرب عن جماعات كاملة لا تختفي بالضرورة معها.

قد تنتهي الحرب بين المقاتلين، بينما تبقى في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى بعضهم.

وهذا ما سيجعل التعايش بعد الحرب أكثر صعوبة. وليس المطلوب أن يحب السودانيون بعضهم جميعًا، ولا أن يتفقوا على رواية واحدة لما حدث.

التعايش لا يعني الاتفاق.

ربما يبدأ بشيء أبسط كثيرًا: أن أقبل بأن من أختلف معه يستطيع أن يعيش معي في البلد نفسه من غير أن أحمِّله جريمة لم يرتكبها.

أن أستطيع أن أقول له: قد أختلف معك، وقد أختلف مع جماعتك سياسيًا، لكنني لن أقرر أنك مجرم حتى أعرف ماذا فعلت أنت.

وهنا أعود إلى أطفال كوستي.

ربما لهذا ظل ذلك المشهد عالقًا في ذهني.

هؤلاء الأطفال لم يحملوا بندقية، ولم يبدأوا الحرب، وربما لم يفهموا أسبابها بعد. لكن كلماتها دخلت لعبتهم.

قاموس الحرب وصل إليهم قبل أن يفهموا معناها.

وستتوقف الحرب يومًا.

وسيكبر أطفال كوستي.

والسؤال ليس فقط أي سودان سنتركه لهم، وإنما أيضًا:

أي قاموس سنتركه في رؤوسهم؟

لقد وصل إليهم قاموس الحرب وهم يلعبون.

فلنحاول ألا يكبر معهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *