سقوط الدولة كأفول للخيال الجمي

هذا املقال هو حلقة ثانية في سلسلة بدأت بمقال »الكتابة من قلب الحطام«. فإذا كانت االفتتاحية األولى محاولة للقبض على املعنى وسط الركام والخراب، فإن هذه السطور تمضي أعمق نحو سؤال سقوط الدولة نفسها، ليس كحدث سياسي فحسب، بل كأفول للخيال الجمعي في املخيلة التي تجعل الناس يؤمنون بوجود كيان اسمه وطن. هل تسقط الدولة حني تهزمها الجيوش؟ أم حني تنهار مؤسساتها؟ أم حني يفقد الناس إيمانهم بجدواها؟ السقوط الحقيقي ال يحدث فجأة. إنه يبدأ بصمت طويل عبر سنوات من التآكل البطيء، حني تنقطع الصلة بني الناس وفكرة الدولة نفسها: العدالة الحماية االنتماء. وحني تتحول الدولة من وطن للجميع إلى جهاز مسلح لحماية من يملكون السالح فقط يكون ما انهار ليس النظام فحسب، بل املعنى ذاته. َّ الدولة كفكرة متخيلة الدولة ليست مجرد أرض وعلم وحكومة. الدولة الحديثة – كما يصفها بندكت أندرسون – تقوم على خيال جمعي وإحساس داخلي بمصير مشترك بوجود كيان ً ا — عن إرادة الجماعة. هذا الخيال هو مصدر الشرعية األعمق. ّ ر — ولو رمزي يعب ّ ث عنه ً ا بني مشروع وطني تحد ق ّ ًّ ا، معل ّ هذا الخيال هش لكن في السودان ظل ُ لدت من رحم املثقفون، وواقع صاغته أنظمة العنف والقهر. الدولة السودانية و ُ سمت حدودها بالقلم االستعماري االستعمار، لكنها لم تولد في مخيلة املجتمع. ر ال بالرغبة الجمعية. ورثت أدوات القمع من املستعمر دون أن ترث منه مؤسسات أو ً ا. ً ا جامع عقد منذ االستقالل أعيد إنتاج الدولة من األعلى عبر النخب والجيوش واالنقالبات، ال ّ ر باإلصالح من األسفل حيث الناس والتوافق واإلرادة الجمعية. كل نظام جاء ليبش لكنه أعاد إنتاج الخراب بمفردات جديدة. لحظة االنكشاف ُسقط الدولة بقدر ما كشفت فراغها العميق. الحرب األخيرة )2023–2025( لم ت مع تصاعد القتال وانتقاله إلى قلب املدن الكبرى، وانهيار مؤسسات السيادة ً ً ا أن »الدولة« لم تكن سوى قشرة رقيقة تغطي خواء واإلدارة والخدمات، ظهر جلي ً ا. واسع ًا لغياب البنية التي كان لم تكن الهزيمة في معركة عسكرية بقدر ما كانت انكشاف ّ ل القضاء وتوقفت املدارس وانقطع يفترض أن تحمي الناس وتدير حياتهم. تعط ً ا يلجأون إليه. عندها اتضح أن ما سقط لم الدواء والغذاء، ولم يجد املواطنون سند يكن املباني أو الوزارات وحدها، بل الفكرة ذاتها؛ فكرة الدولة التي يعيش الناس في كنفها ويستمدون منها األمان واالنتماء. ً ا أنها وطنهم. انسحبوا بصمت أو لم يدافع الناس عنها ألنهم لم يشعروا يوم ً ا من عبء غريب. ما انهار لم يكن مؤسسات فحسب ّ وا، وكأن سقوطها كان تحرر فر بل معنى الدولة في وجدان الناس. انتفاضات بال تأسيس ُ ؤسس لعقد كل محطات التحول الكبرى في السودان — ،1964 ،1985 2019 — لم ت اجتماعي جديد. كان ما يسقط هو رأس الدولة ال بنيتها. ّ ر لكن منطق الدولة األمنية واملركزية بقي كما هو. النظام يتغي ُ حسم معنى »الوطن«: ُ كتب في السودان دستور شارك الناس في صياغته. لم ي لم ي ً ا، حتى جاءت الحرب ق ّ ّ كيان الدولة معل ُصاغ القوانني؟ وهكذا ظل من يملكه؟ وملن ت ّ ى من شرعيته الرمزية. األخيرة لتقضي على آخر ما تبق ما بعد السقوط: فراغ وبدايات أخرى اليوم نعيش ما بعد الدولة، ال باملعنى اإلداري وحده، بل باملعنى الرمزي والوجداني. لم تعد الدولة مركز الحياة أو موضوع الوالء، أو حتى املصدر الوحيد للعنف. اليوم نعيش زمن ما بعد الدولة، ليس بمعناه اإلداري وحده، بل بمعناه الرمزي ًا األعمق. فحني يغيب املركز الذي كان يجمع الناس تحت مظلته ال يبقى الفراغ صامت ُ مأل املساحة بأشكال متفرقة من السلطة واالنتماء، مثل روابط محلية وأسواق بل ت غير منضبطة ومعسكرات نزوح وشبكات مساعدة وهويات قبلية وجهوية. هذه ً ا، بل تعيد إنتاج التجزئة والبحث ً ا جديد ً جمعي البدائل على تعددها ال تخلق خيال الفردي عن النجاة. وهكذا فإن األخطر ما بعد السقوط ليس انهيار املؤسسات فقط، بل ضياع املعنى املشترك الذي يجعل الناس يشعرون أنهم جزء من كيان واحد اسمه الوطن. ّ لها من جديد؟ سؤال املستقبل: هل يمكن تخي هل يمكن إعادة الدولة؟ ّ لها من جديد؟ السؤال األعمق: هل يمكن تخي ربما ال تبدأ اإلجابة بترميم الوزارات أو إعادة البيروقراطية، بل باختراع معنى جديد للوطن. معنى يتأسس على االعتراف بالهشاشة وبالدم وبالتاريخ غير املتصالح عليه. »نحن« جديدة ال تقوم على وهم الطهر وال على عنف املركز، بل على خيال جمعي يخرج هذه املرة من الناس أنفسهم. في املقال القادم من هذه السلسلة سنواصل هذا التأمل عبر سؤال آخر ال يقل خطورة: الهوية املمزقة – من القومية إلى القبيلة. فحني تسقط الدولة ينهار معها ً ا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *