خالد عبدالله أبو أحمد
سأل سيدنا إبراهيم عليه السلام قومه عن التماثيل التي عكفوا عليها، فلم يجد عندهم حجة ولا دليلاً، كان جوابهم كله: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: 53). ولما جعل أصنامهم قِطَعاً مكسرة وترك كبيرها لم يسألوا أنفسهم كيف يُعبَد شيء لا يستطيع أن يدفع الأذى عن نفسه. سألوا عمن فعل هذا بآلهتهم، ثم قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ (الأنبياء: 68). في هذه القصة يجتمع ما تريد هذه المقالة أن تقوله. فالصنم يصنعه الناس بأيديهم ثم يرفعونه فوق رؤوسهم، ثم يصبح الدفاع عنه أهم عندهم من السؤال عن حقيقته.
والأصنام التي نتحدث عنها هنا لا تُنحت من الحجر، هي أشخاص رُفعوا فوق المساءلة، ومفاهيم وشعارات صارت مقدسة لا يجوز السؤال عن معناها، وتنظيمات صار الولاء لها مقدماً على الولاء للوطن والناس. وقد عرفت الحركات الإسلاموية هذه الأنواع الثلاثة كلها وعاشت عليها عقوداً طويلة.
ويلزم قبل المضيِّ تحديد معنى الكلمة في هذه المقالة. فالصنم هنا وصف لظاهرة اجتماعية وسياسية هي انتزاع شيء بشري من دائرة المساءلة ورفعه فوق النقد، وليس حكماً في العقيدة، ولا قولاً في إيمان أحد، ولا تكفيراً لمن يوالي شخصاً أو تنظيماً، ولو كان الأمر على غير ذلك لوقعت المقالة في الداء نفسه الذي تصفه، فمن ينتقد إصدار الأحكام الدينية على المخالفين ليس له أن يصدرها عليهم.
وليس كل زعيم محبوب صنماً، فللأحزاب والحركات في كل مكان قادة ذوو حضور آسر وجماهير تهتف لهم وتصطف خلفهم. والحد الفاصل بين الحالتين هو المساءلة، فالزعيم يُنتقد ويُعارض ويُحاسب ويُترك إذا أخطأ، والصنم لا يُسأل أصلاً. وليست صناعة الأصنام كذلك حكراً على الإسلامويين، فقد عرف السودان شيئاً منها في أعوام مايو الأولى، وعرفتها تجارب قومية ويسارية كثيرة في المنطقة، رفعت قادتها فوق النقد، ومنحت شعاراتها حصانة الحقائق النهائية. والذي يخص النسخة الإسلاموية أن صنمها يستمد حصانته من مصدر لا يملك أحد نقضه، فيتحول نقده من خطأ في الرأي إلى معصية، ومن خلاف سياسي إلى خروج عن الدين.
صناعة الصنم وكيف تتم
الصنم لا يُصنع دفعة واحدة، ولا يصنعه القائد وحده، ولا يأتي على شكل واحد. لذلك من الضروري قبل أن ندخل في الوقائع أن نعرف كيف تسير هذه الصناعة، وما الأنواع التي تخرج منها، وما سيأتي بعد ذلك من تفاصيل هو دليل على هذا الإطار، وليس حكايات منفصلة يقرؤها القارئ وحدها.
تمر الصناعة بست مراحل متداخلة، تبدأ بمنح الحصانة وتنتهي بإعادة الإنتاج. المرحلة الأولى هي احتكار التفسير. فالجماعة التي تنجح في إقناع الناس بأنها الجهة التي تقول لهم ما يعنيه النص الديني، تحصل على حصانة لا تحتاج بعدها إلى دليل، لأن أي نقد يوجَّه إليها ينصرف من تلقاء نفسه إلى مصدر لا يجرؤ أحد على نقده. وهنا يبدأ الخلط بين الجماعة والدين، وهو أول أدوات هذه الصناعة وأطولها أثراً، ومنه تتفرع بقية المراحل.
والمرحلة الثانية هي اللقب، واللقب ليس زينة في الكلام، بل هو نقل لرصيد رمزي من موقع ديني إلى موقع سياسي. فكلمة (الشيخ) في المجتمع السوداني تحمل ظلال الطرق الصوفية، حيث يُطاع الشيخ ولا يُسأل، وتُطلب بركته، ولقب (المرشد) عند حسن البنا يجعل الجماعة طريقاً، وأعضاءها سالكين فيه، والمرشد هو من يدلهم عليه. وفي الحالتين يُستدعى المعنى الديني للقب ويُعطى لصاحب سلطة دنيوية، دون أن يسأل أحد عن شرعية هذا النقل.
والمرحلة الثالثة هي الغموض المقصود في المفاهيم. فالمفهوم الواضح يمكن قياسه، والقياس يفتح الباب للمحاسبة، أما المفهوم الغامض فيبقى فوق القياس، ويمكن تفسير كل فشل فيه بأنه لم يكتمل بعد، ويمكن اتهام كل من ينتقده بأنه لم يفهمه. ولهذا يحرص صُنّاع الأصنام على أن تبقى شعاراتهم الكبرى بلا تعريف محدد، ولا خطوات معلومة، ولا موعد للحساب.
والرابعة الطقس والوسيط، وهي المرحلة التي ينتقل فيها الصنم من الخطاب إلى الوجدان. فالندوة الجماهيرية الحاشدة، والبيعة داخل الأسرة التنظيمية، وبرامج التلفزيون الرسمي، وطقوس تشييع القتلى، كلها وسائط تحوِّل الفكرة إلى شعور جماعي لا يُناقَش. وهنا تظهر حقيقة مهمة، وهي أن القداسة لا تُصنع في القمة وحدها، فالأتباع شركاء في صنعها، يتناقلون الروايات عن قائدهم ويزيدون فيها ويضيفون إليها من عندهم ما لم يقله عن نفسه.
والخامسة إلغاء المساءلة، وفي هذه المرحلة يتغير موقع السؤال نفسه، فلا يصبح السؤال عن القائد أو الشعار خطأ في الرأي يُرد عليه بالحجة، بل خيانة للجماعة أو خروجاً على الدين، وعندها يتوقف العقل الجمعي داخل التنظيم عن العمل، لأن كلفة السؤال تصبح أعلى من كلفة الصمت.
والمرحلة السادسة هي التوالد، وهي التي تجعل الصناعة قائمة في الجماعة نفسها لا في أشخاصها. فالصنم لا يبقى واحداً، بل ينتج أصناماً أخرى على صورته. فمن (الشيخ) خرج (شيخ علي)، ومن صنم واحد خرج صنمان بعد المفاصلة. ولهذا تستمر الظاهرة بعد رحيل من صُنعت لهم، فكسر صنم واحد لا يوقف الصناعة.
أنواع الأصنام
تنتج هذه الصناعة ثلاثة أنواع، لكل نوع عمر مختلف وطريقة عمل مختلفة. والخلط بينها هو الذي يجعل الناس يظنون أن سقوط رجل واحد يعني نهاية الظاهرة.
النوع الأول صنم الشخص، وهو أضعفها جميعاً وأكثرها ظهوراً للعيان. فالشخص يمرض ويموت، ويُسجن ويُعزل، وينقسم أتباعه من حوله، وما جرى للترابي نفسه يدل على أن الصنم البشري لا يحمي صاحبه، وأن الصناعة قد تلتهم من صنعوها.
والنوع الثاني صنم المفهوم، وهو أطول عمراً لأنه لا يموت ولا يُسجن ولا يُحاكَم. فالشعار المقدس يبقى بعد أصحابه، وينتقل بين الأجيال، ويُعاد استعماله في ظروف جديدة. والدليل على ذلك أن مفهوم (التمكين) ظل قائماً في الدولة السودانية بعد سقوط النظام، حتى احتاج السودانيون بعد الثورة إلى لجنة تحمل اسم إزالته.
والنوع الثالث صنم التنظيم، وهو الأخطر لأنه يعيد إنتاج النوعين الأولين معاً، فالتنظيم هو الذي ينصّب الأشخاص ويصوغ المفاهيم، ويأتي ببديل لكل من يسقط منهما. وهو الذي يحوّل الولاء من الوطن والناس إلى جماعة بعينها. ولهذا يبقى قائماً بعد أن تسقط الحكومات وتُهدم الشعارات.
صناعة الشيخ
لم يعرف السودان في تاريخه الحديث شخصاً صنعه أتباعه كما صنع الإسلامويون د.حسن الترابي. كان عندهم (الشيخ) و(المفكر المجدد) الذي يرى ما لا يراه غيره، واللقب هنا يؤدي وظيفته التي وصفناها في المرحلة الثانية من مراحل الصناعة. فكلمة الشيخ في المجتمع السوداني تحمل ظلال الطرق الصوفية حيث يُطاع الشيخ ولا يُسأل وتُلتمس بركته، أخذ التنظيم هذه المكانة الروحية العميقة في وجدان الناس ووضعها في خدمة مشروع سياسي.
وبلغت هذه الصناعة ذروتها قبيل 30 يونيو 1989م، استقبل الترابي للمرة الأولى ضابطاً مغموراً اسمه عمر حسن أحمد البشير قبل موعد الانقلاب بيومين وقال له عبارته التي دخلت تاريخ السودان “تذهب أنت إلى القصر رئيساً وأذهب أنا إلى السجن حبيساً”. وهكذا ذهب البشير إلى القصر وذهب الترابي إلى سجن كوبر مع زعماء الأحزاب حتى يُخفي الطابع الإسلاموي للانقلاب عن السودانيين وعن دول الجوار.
شخصياً كنت أضع الرجل في مكانة كبيرة، مثلي مثل كل أبناء جيلي في الحركة، ولا أحتمل أن ينال منه أحد بقول أو فعل، ولعل ذلك من أثر البيئة التي كنا نعيش فيها، وما يُشاع فيها عن أهلية الشيخ للقيادة الروحية ليس في السودان فحسب، بل في العالم الإسلامي، والحديث عن مهاراته في حفظ القرآن الكريم بالروايات المختلفة، وإجادته التحدث بلغات كثيرة، وأن علمه القانوني تجاوز السودان إلى دول أخرى كتب دساتيرها وما تزال تُحكم بها، وكان الشيخ نفسه مُبهراً في حديثه، وأنا يومها في بداية العشرينيات من العمر لم أكن قد رأيت شخصاً بهذه القدرات.
ومن كثرة افتتان الشباب به، صار بعضهم يحاول تقليده؛ فمنهم من كان يقلده في لبس (المركوب الأبيض)، ووضع الشال في الرقبة، وفي طريقته أثناء الحديث وهو يرفع يديه فارداً كفيه.
أتذكر في انتخابات الديمقراطية الثالثة عام 1986م، وفي ندوات ميدان المولد بالخرطوم الشهيرة، أنه كان في أوج تجليه، ولعلها المرة الأولى في حياتي التي أشاهد فيها ندوات بهذا الشكل، من حيث الحشود التي تُعد بالآلاف والتدافع عليها. فإذا تحدث صمت الجميع صمتاً مطبقاً، لا همس فيه ولا كلام ولا يقاطعه أحد إلا التكبير والتهليل بين فترة وأخرى.
وعند انتهاء الندوات، والناس في طريقهم إلى مناطقهم بالحافلات التي خُصصت لكل منطقة، كان الجميع يتحدث عن الندوة وانطباعهم عنها، وفي حديثهم هذا كانت تُصنع القداسة يقولون إن د.الترابي عندما يتحدث ويورد في كلامه آيات من القرآن الكريم، تبدو كأنها نزلت في اللحظة!.
شيخ الحركة
وفي هذا المشهد تتجلى المرحلة الرابعة من مراحل الصناعة. فالقداسة لم تنزل من فوق والجميع صامتون، بل كانت عضوية الحركة، شبابها ورجالها ونساؤها، هي من يصنعها في أحاديثهم، ويضيفون إليها من عندهم ما لم يقله الرجل عن نفسه.
أتذكر أيضاً في عام 1998م أن أحد الزملاء طلب مني حضور اجتماع في مكتب صحيفة (المستقلة)، وكنا نلتقي فيها أحياناً مجموعة من الصحافيين. وكان الاجتماع بخصوص ما قيل عن أزمة شديدة تتصاعد بين (شيخ الحركة) و(الرئيس عمر البشير)، وقد دعا إليه الزميل المرحوم محمد طه محمد أحمد.
فقلت للزميل إن هذا كلام لا أساس له، ولا يمكن أبداً أن تحدث مشكلة بين (الشيخ) و(الرئيس). وكانت حجتي أن (الشيخ) أكبر من أن يتنازع أو يصطدم مع أحد أياً كان، وحجتي الثانية أن (الرئيس) قال صراحة، في لقاء تنظيمي معه ونحن مجموعة من الصحافيين، إنه “جندي في الحركة الإسلامية، وإنه يتلقى التعليمات مثلنا”. فكيف يكون هناك نزاع بين الطرفين و(الرئيس) جندي كما وصف نفسه، ولا يمكن أن يضع نفسه في مكانة غير ذلك حتى يتنازع مع (الشيخ)؟!.
وأستطيع القول إن علي عثمان محمد طه استغل هذه القداسة، وأحدث تغييرات تنظيمية كثيرة داخل الكيان ليقوي شوكته، فكلما سأله الناس عن مرجعية هذه الخطوة أو تلك قال لهم “الشيخ قال”، بينما كانت علاقته بالشيخ مضطربة وليست على ما يرام. وفي مرحلة ما بعد منتصف التسعينيات برز بشكل واضح التنظيم الموازي بقيادة علي عثمان محمد طه، وعندها ظهرت عبارة (شيخ علي)، وكان قد جذب إلى صفه مجموعة كبيرة من العناصر الشبابية بقيادة أسامة عبدالله وآخرين كثر.
بدأت العبارة تنتشر شيئاً فشيئاً، حتى صار عند حوارييه في مكانة (الشيخ) المؤسس د.حسن الترابي، وبالقدر نفسه من عبارات الإجلال والتقديس. وانتشرت عبارة (شيخ علي) بقوة بعد المفاصلة التاريخية في ديسمبر 1999م، وأصبح علي عثمان محمد طه فعلياً رئيساً وشيخاً للتنظيم الحاكم، وبلغت هذه القداسة أن البروفيسور محمد وقيع الله، وهو الباحث والأستاذ الجامعي صاحب الشهادات والجوائز العالمية في الفكر، صار يشير إليه في مقالاته بصحف النظام آنذاك بـ”شيخ علي”، رغم أنه أفقه منه وأكثر علماً. إلى هذه الدرجة كانت صناعة الأصنام، وهذه هي مرحلة التوالد في أوضح صورها، فقد أنتج الصنم الأول صنماً ثانياً باللقب نفسه وبالطقوس نفسها.
(نواصل)