لا سلام تحت النيران: فرض وقف إطلاق النار هو المدخل الوحيد لإنقاذ السودان

بقلم يحيى ابنعوف

 

​تتجه أنظار الشعب السوداني المجهد نحو أروقة المجتمع الدولي بالتزامن مع الحراك الدبلوماسي الجاري، وزيارات وفود الأمم المتحدة والآليات الدولية لتقصي الحقائق والدفع بعجلة السلام. غير أن هذه الجهود، وعلى الرغم من أهميتها النبيلة، تظل تصطدم بالحقيقة المرة التي يعيشها المواطن يومياً: لا يمكن الحديث عن سلام أو مفاوضات بينما أدخنة القصف تتصاعد، والبنادق تحصد أرواح أثمن ما نملك — الإنسان السوداني.

 

​رسالة حازمة للمجتمع الدولي: احذروا فخ المراوغة

​إننا نتوجه بهذا النداء الإنساني والسياسي إلى الأمم المتحدة والقوى الدولية والإقليمية لنحذر من إعادة إنتاج السيناريوهات الفاشلة. يجب على المجتمع الدولي أن يعي تماماً طبيعة أطراف هذه الحرب؛ فكل من عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) أثبتا عبر تجارب متكررة احترافهما لاستراتيجية المراوغة وتكنيك تضييع الوقت.

​إن الانخراط في جولات تفاوضية طائلة ومفتوحة دون حسم ميداني صارم يُغري طرفي النزاع بـ:

​استغلال المفاوضات لتعديل الخارطة العسكرية: استخدام الهدن الشكلية والجلسات المغلقة لإعادة التزود بالحيّز والتكتيك العسكري على حساب أرواح المدنيين.

​كسب الوقت لفرض أمر واقع جديد: القفز على استحقاقات الشعب بالتعويل على إنهاكه، وتحويل الكارثة الإنسانية إلى ورقة ضغط وتفاوض.

​لذا، فإن التعامل مع الطرفين بأسلوب النوايا الحسنة أو التساهل الدبلوماسي هو مشاركة غير مباشرة في إطالة أمد معاناة السودانيين.

 

​أولاً: فرض وقف إطلاق النار بالضغط والحسم

​إن ترتيب أولويات الخروج من هذه الكارثة يقتضي إدراك حقيقة واحدة: فرض وقف إطلاق النار فوراً وبكل الوسائل المتاحة، حتى وإن تطلب الأمر استخدام أدوات الضغط الدولي القسرية والعقوبات الصارمة.

​لا تجوز تجزئة السلام أو القبول بهدن صورية؛ فالوقف الشامل والعاجل للأعمال العدائية يُعد شرطاً بنيوياً أولياً لـ:

​تأمين حياة المدنيين: فتح المسارات الآمنة ودخول المساعدات الإنسانية دون عوائق لكافة أرجاء السودان.

​إغلاق باب المراوغة: إجبار جنرالات الحرب على الامتثال للإرادة الدولية والوطنية بدلاً من تضييع الوقت.

 

​ثانياً: خريطة الطريق البنيوية (المرتكزات الخمسة)

​بمجرد إسكات صوت الرصاص، ينبغي الانتقال فوراً إلى بناء الانتقال السياسي عبر خمس خطوات رئيسية لضمان عدم العودة إلى مربع الحرب مجدداً:

​الوقف الدائم والتفصيلي للحرب: الانتقال من الهدنة المؤقتة إلى آليات مراقبة دولية وإقليمية صارمة وميدانية لحماية المدنيين.

​توسيع أطر التنسيق المدني: تعزيز مساحات الحوار بين القوى السياسية، المدنية، والمستقلين لبناء جبهة وطنية تعبر عن الأولويات الحقيقية للشارع.

​عملية سلام مملوكة وطنياً: صياغة مسار سياسي سوداني-سوداني مستقل تماماً عن هيمنة طرفي النزاع المسلح ومصالح المحاور الخارجية.

​المشاركة الفاعلة للقوى القاعدية: إدراج النساء، الشباب، النازحين، اللاجئين، النقابات، واللجان المحلية في صناعة القرار لضمان عدم مصادرة المستقبل.

​تأسيس الانتقال المدني الديمقراطي: وضع ترتيبات انتقالية واضحة تُعيد بناء مؤسسات الدولة السودانية على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

 

​ثالثاً: مواجهة الجذور التاريخية للأزمة

​إن توقف الحرب لا يعني انتهاء الأزمة السودانية، بل هو بداية لمواجهة القضايا المسكوت عنها منذ عقود والتي كانت الوقود الحقيقي لتفجر هذا الصراع:

​قضايا التهميش والعدالة الاجتماعية: معالجة التفاوت التنموي والاجتماعي الحاد بين الإقليم والمركز، وتوزيع الثروة والفرص بعدالة.

​مسألة الهوية والدستور: صياغة عقد اجتماعي ودستور دائم يستوعب التنوع الثقافي والعرقي للسودان دون إقصاء.

​المحاسبة وسيادة القانون: إنصاف الضحايا وتطبيق العدالة بحق كل من ارتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوداني. لا صلح بلا عدالة، ولا استقرار بلا محاسبة.

خاتمة ونداء أخير

​إن الشعب السوداني لم يعد يحتمل المزيد من المناورات السياسية. نداؤنا لوفد الأمم المتحدة والمبعوثين الدوليين واضح ومحدد: لا تقعوا في فخ تكتيكات البرهان وحميدتي لكسب الوقت.

​اجعلوا البند الأول والوحيد في أجندتكم العاجلة هو الإلزام الصارم بوقف القصف والتفاوض تحت ضغوط حقيقية. إن السلام الحقيقي لا يُختزل في إعادة توزيع السلطة بين أمراء الحرب، بل يبدأ بحماية أرواح الناس، وينتهي بدولة مدنية تسع الجميع وتخضع لسيادة القانون.

فإن الدخول في تفاوض بمعزل عن وقف الحرب يعكس مخاوف حقيقية من تكريس الأوضاع الراهنة أو شرعنة واقع موازٍ قد يفضي في النهاية إلى التشظي وتقسيم البلاد، حيث يصبح الحوار مجزأً بين أجزاء متفرقة من الجسد السوداني، بدلاً من معالجة الأزمة ككل ضمن إطار وطني شامل.

​وعلى الجانب الآخر، يرى بعض المحللين والوسطاء أن العمليات السياسية ووقف إطلاق النار غالباً ما يسيران في خطين متوازيين، بحيث يُستخدم التفاوض كأداة للوصول إلى الهدنة وضمان آليات مراقبتها، معتبرين أن غياب أي قناة تفاوضية قد يُبقي الأبواب مغلقة أمام أي مخرج سلمي.

​لكن يظل التحدي الأكبر هو كيف يمكن ضمان ألا تتحول أي ترتيبات سياسية أو أمنية جزئية إلى خطوات تؤسس للأمر الواقع وتعمق الأزمة بدلاً من حلها.

​كيف ترون الإطار الأمثل للضغط الدولي والمحلي لفرض وقف إطلاق النار كشرط مسبق لأي عملية سياسية مستقبلية؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *