د.هنية مرسي.. حياة تستحق التأمل عن كثب وأحلام أبعد من حدود المكان

لم يكن في حسبان الأطباء في “مستشفى سانت بارثولوميو” البريطاني العريق أن الطبيبة القادمة حديثاً من السودان، هنية مرسي فضل، ستكون الطبيبة الأولى من أصول غير بريطانية التي تحصل على درجة استشاري في الأشعة التشخيصية، وأنها ستصنع اسماً لامعاً وسط الأطباء وفي أعرق المستشفيات البريطانية، وبالذات عندما اختارت التميز في الأشعة التشخيصية المرتبط بسرطان الثدي، بعد نيلها زمالة الكلية الملكية لأطباء الأشعة (FRCR) عام 1986.

 

الحياة ستأخذ الدكتورة هنية في مسارات متعددة. وأبرز هذه المسارات ستقودها للعودة إلى الخرطوم، عندما قررت أن تحمل كل ما نالت من خبرة ومعرفة وشهادات لتضعها في خدمة نساء في أضعف حالاتهن؛ المصابات بالمرض المقلق، مرض سرطان الثدي، وهن في قلة وعي بمصيرهن أحياناً، وفي حالة فقر وإهمال في أحيان كثيرة. والمفارقة أن المسار الذي قادها إلى الخرطوم سيعود بها إلى لندن مرة أخرى، ولكن هذه العودة لتصعد منصات التتويج وتحصل على وسام رفيع من الملكة الأم، عرفاناً للخدمة التي قدمتها للنساء في العالم، وخاصة نساء السودان اللاتي منحتهن العلاج والرعاية والطمأنينة والأمل في أحلك الظروف الإنسانية.

 

تعلمت في زمن صعب

 

دائماً، وكلما وُجّه لها سؤال “من هي هنية مرسي؟”، تحمل إجابتها مضامين مهمة، وهي تجيب بأنها سودانية من أسرة نوبية بسيطة، انتقل والدها للعمل في مدينة الإسكندرية كحال النوبيين سكان حلفا في ذلك الزمان، ثم تذكر أنها واحدة وسط سبعة من الإخوان والأخوات، وأنها الصغرى في البنات. وعند هذه النقطة تذكر بوضوح: “أخواتي الكبار لم يكملن تعليمهن”، كأنها تريد أن تقول: “تعلمت في زمن صعب”. وفعلياً كان تعليم البنات في زمن هنية أمراً عسيراً وصعباً للقادمات من جنوب الوادي. ومن عرفوها عن قرب كثيراً ما يذكرون أنها كانت في غاية الانتباه، ومن وقت مبكر من طفولتها، إلى تفضيل الأسر في ذلك الوقت للأولاد، والاهتمام بتعليمهم دون الأخوات البنات. هذا يفسر كثيراً من العزيمة والالتزام بالتفوق والنجاح والاعتداد في شخصيتها، حتى إنها غادرت إمبراطورية زوجها السابق المالية دون أن تلتفت للوراء عندما تعارضت المواقف مع قيمها ومبادئها، وسط دهشة الكثيرين.

 

كان على هنية أن تتفوق في المدرسة حتى تكمل تعليمها. وفعلاً تفوقت على الصبيان وحصلت على درجة عالية في الشهادة المصرية، ويذكر أحد أقاربها أن “هنية كان من الممكن أن تدرس الهندسة أو الطب وفقاً للدرجة التي حصلت عليها، ولكنها اختارت الطب”، وتخرجت في كلية الطب جامعة الإسكندرية، وكان عليها أن تحزم حقائبها إلى الخرطوم كغيرها من أبناء الجالية من السودانيين في مصر. وبعد شهور من التخرج كانت هنية طبيبة امتياز في مستشفى الخرطوم العتيق.

 

الأولى في الأشعة – طفلي في الخرطوم

 

الطريق الذي عبرته الدكتورة هنية مرسي لم يكن طريقاً سهلاً، في الخرطوم بحثت الطبيبة حديثة التخرج عن زيادة دخل عوناً لأسرتها الموزعة بين الإسكندرية وقرية “دبيرة” في حلفا، كما كان عليها أن ترتب حياتها الخاصة، وتوجب عليها البحث عن عمل إضافي إلى جانب دوام مستشفى الخرطوم. وفعلاً أسست عيادة صغيرة ومتواضعة في حي الرميلة جنوب غرب الخرطوم، لا تتعدى قيمة تذكرة المقابلة (50) قرشاً، وبعد كد وتوفير تزوجت من المهندس الأستاذ في معهد الاتصالات السلكية واللاسلكية في الخرطوم، محمد فتحي أحمد إبراهيم، الشهير بـ”مو إبراهيم”.

 

وقبل أن تضع مولودها الأول هشام، اختيرت في بعثة إلى بريطانيا للتخصص في الأشعة التشخيصية. ويجب أن نشير هنا إلى أن هنية مرسي هي أول طبيبة تتخصص في الأشعة في تاريخ السودان. تقول: “في ذلك الوقت كان التخصص في الأشعة التشخيصية نادراً حتى وسط الأطباء، ويسمى وقتها أكس – راي X-Ray، ويشاع أنه يسبب العقم، لذلك لم تتخصص فيه الطبيبات، بل كنَّ يتحاشينه”. ولكن هنية بشخصيتها وعزيمتها اقتحمت المجال، ومع الوقت تبين أن نظرتها ثاقبة، لأن تخصص الأشعة التشخيصية فتح لها آفاقاً عريضة. وتقول في نهاية حديثها عن تخصص الأشعة التشخيصية: “أنجبت هشام وهديل، وهم بصحة جيدة الحمد لله”. الطريق لم يكن سهلاً كما أشرنا، وكان على هنية أن تترك طفلها هشام الذي لم يكمل الشهرين في رعاية والدتها وتسافر إلى لندن، مصطحبة معها زوجها الذي حصل على بعثة في الهندسة هو الآخر، وبقي هشام خلفها ثلاث سنوات. كان عليها أن تعمل في المستشفى وتدرس في المعهد الملكي حتى تدبر المصاريف التي لم تكن تسع استضافة الطفل وتعليمه، وخاصة أن الزوج لا يزال باحثاً بمنحة معيشية محدودة، ولم تتوفر له فرصة عمل مع الدراسة. وبعد سنوات من الجهد والمثابرة اجتمع شمل الأم وطفلها، وبدأت هنية تحصد ثمار تعبها وصبرها، وتدرجت في تخصص الأشعة. وبعد سنوات قليلة كانت استشارية مطلوبة في مستشفى لندن وبرمنغهام وغيرها من مستشفيات بريطانية مرموقة، لتتمكن من احتضان ابنها وتلحقه بأفضل المدارس هو وشقيقته هديل.

 

مركز الخرطوم للعناية بالثدي “حلم تحقق”

 

أكتوبر من عام 2010 كان نقطة تحول كبيرة في حياة الدكتورة هنية مرسي، عندما بدأ مركز الخرطوم للعناية بالثدي يستقبل نساء يرتدين ثياباً مزركشة، سودانيات مصابات بالسرطان، كانت لحظة تتويج لجهد طويل بدأ منذ 2008، عندما عادت هنية للخرطوم وخطت الخطوة الأولى في بناء المركز، وواجهت متاعب البيروقراطية الممزوجة بالفساد في السودان.

 

كان حلم هنية أن يتعالج مرضى سرطان الثدي في السودان كما يتعالج المرضى في مستشفيات لندن. وضعت أعلى المعايير في المباني والأجهزة والمعدات، واختارت أفضل الأطباء والممرضين، وحتى الإداريين والموظفين والاستقبال وعمال النظافة تم تجهيزهم وفق هذه المعايير، كل شيء على أكمل وجه وبأفضل المعايير، وحيث انتهت التقنية والبروتوكولات المخصصة لعلاج سرطان الثدي.

 

وكان التحدي: هذه الخدمة عالية الجودة تقابلها تكلفة عالية أيضاً، لذلك كان قرار هنية “لا نريد أرباحاً”، فقط كلفة علاج جيد، ليس هذا وحسب، استنفرت هنية أموال أسرتها، وخاصة أن زوجها الذي ستنفصل عنه لاحقاً حصل على ثروة كبيرة، واستنفرت علاقتها مع رجال الأعمال الخيرين والمهنيين من أطباء ومهندسين ومحامين، وتم تأسيس صندوق لعلاج المرضى علاجاً كلياً أو جزئياً. المريضات اللاتي ترددن على المركز حصلن بالفعل على عناية فائقة. ولم يقتصر الأمر على السودان، وأصبح ملاذاً للمرضى من دول الجوار، وكثيراً ما تردد هنية أن السمعة الجيدة والنجاح الذي تحقق ليس جهدها وحدها، إنما جهد أولاد وبنات سودانيين شطار. وفي سنوات قليلة استقبل المركز آلاف المرضى، وساهم في نشر الوعي بالمرض وسط النساء والرجال في السودان بطريقة غير مسبوقة، وربان كل ذلك الدكتورة هنية مرسي، التي باتت رمزاً للطمأنينة للنساء المصابات بسرطان الثدي.

 

الدكتورة هنية في قصر ملكة بريطانيا

 

في عام 2015 قررت الملكة إليزابيث تكريم الدكتورة هنية مرسي تقديراً لما قدمته للنساء في العالم وفي السودان، ومنحتها رتبة الإمبراطورية البريطانية، وهي جائزة رفيعة أُطلقت منذ عام 1917 في المملكة البريطانية، تمنح للمتميزين من المدنيين والعسكريين. كانت هنية أول طبيبة سودانية تحصل على هذا التقدير من الملكة، وتم منحها الجائزة في احتفال كبير في قصر الملكة في ذات العام. وبعد التكريم في لندن منحتها الدولة السودانية وسام الجمهورية من الدرجة الأولى، وبعدها حصلت على جوائز عديدة، من بينها جائزة القيادة الاجتماعية من منظمة لندن للمرأة العربية لعام 2017. وفي عام 2018 اختارتها منظمة OkayAfrica أوكي آفريكا كواحدة من أفضل 100 امرأة في أفريقيا، كما حصلت على تقدير من المجتمع المهني والمجتمع السوداني للدور الذي تقوم به تجاه السودانيات.

 

الثروة والقيم والطلاق

 

حياة الدكتورة هنية حياة تستحق التأمل عن كثب. كان حرصها الدائم أن تكون للأشياء قيمة ومعنى، وأن ترتبط بمقدار النفع الذي يمكن أن تقدمه للآخرين. وعندما كان مجال الأشعة التشخيصية صعباً ومهاباً ومهماً في مستقبل مكافحة المرض لم تتردد. وهكذا كانت في حياتها، القيمة هي الأساس. لذلك كان عام 2013 موعد مغادرة إمبراطورية مو إبراهيم وقرار الطلاق منه. كان قراراً بالغ التعقيد والحساسية، ولكن مبادئ وقيم وشخصية هنية لم تسمح لها بالاستمرار في حياتها الزوجية. من هم في الخارج نظروا للقرار بدهشة واستغراب، ومن عرفوا هنية توقعوه بشدة. آثرت الدكتورة هنية الخروج والمغادرة لا تلتفت إلا لهشام وهديل والنساء المريضات والناجيات من المرض وتوعية السيدات بمخاطر سرطان الثدي.

 

المركز وأولادي والمريضات

 

لن تحتفل الدكتورة هنية مرسي بشهر أكتوبر الوردي في مركز الخرطوم للعناية بالثدي، ولا في مدرسة أو حديقة في الخرطوم، لأن المركز مغلق بأمر الحرب، ولكنها لا تزال متمسكة بأمل أن تعود الحياة ويعود المركز ليقدم خدماته لكل المحتاجين. وهي شديدة الارتباط بالصرح الطبي الذي شادته بالتعب والصبر والأمل، ولا تزال تجمع حولها العاملين في المركز من طبيبات وأطباء وإداريين وإداريات وعاملات وعاملين، وتطلق عليهم “أولادي” في المركز.

هنية سيرة حياة ملهمة للنساء في السودان والعالم، سيرة سيدة تعلمت الاعتداد بنفسها وعلمته الآخرين، وإنسانة قرارها أن قيمتها في منفعة الآخرين وتقديم أفضل ما يمكن، وأن تتعلم أن تكون أفضل ما يمكن، وفوق هذا وذاك امرأة تعلم الأخريات أن المرأة أقوى بكثير وأهم بكثير مما يظن كثير من الرجال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *