مرام محمد حامد
قصة ثانية
قصص حقيقية من رحلات سرطان الثدي
“معًا نتقاسم محبة ومشقة الطريق”
الخميس، الساعة الثامنة صباحًا بتوقيت الخرطوم.
المكان: قاعة المحاضرات – مركز الخرطوم للعناية بالثدي.
الاجتماع متعدد التخصصات (MDT) حجر أساس وضعه المركز منذ أول حالة دخلت أبوابه.
يبدأ الاستشاريون والاختصاصيون يومهم بمناقشة الحالات الأسبوعية.
فلكل حالة خصوصيتها، ولكل طبيب مُشخِّص أو مُعالج وجهة نظره التي تضيف إلى خطة العلاج. وعندما يكون المريض هو محور الرعاية، لا بد أن تُختار الخطة الأنسب له، ليس من خلال طبيب واحد، وإنما بعد التشاور ومشاركة الفريق بأكمله.
الخميس، الساعة الثامنة صباحًا.
المكان: صالة الانتظار – مركز الخرطوم للعناية بالثدي.
الخميس هو أكثر الأيام ازدحامًا.
الجميع منشغلون بين التحاليل المعملية لمرضى العلاج الكيميائي، وفحوصات المتابعة، وتحاليل ما قبل العملية.
هنا صور الأشعة والموجات الصوتية، وهناك تُؤخذ الخزعة وتُرسل إلى معمل الأنسجة.
تخرج مريضة من عنبر العمليات بعد أن أتمت فترة النقاهة، وتدخل أخرى عنبر العلاج الكيميائي لتبدأ جرعتها، بينما تنتظر ثالثة دورها في عيادة الأورام.
وصالة الانتظار تعج بالحضور.
يتجاذبن أطراف الحديث، يضحكن، يحتفلن ويبتهجن مع من ستكمل اليوم آخر جرعاتها، ويبكين مع أخرى لم يستجب ورمها للعلاج.
تفاصيل كثيرة تدور بينهن..
“اشربي تبلدي، زاد لي المناعة”.
“أوعك من عصير البرتقال أول أيام بعد الجرعة”.
“القضيم بيرفع الدم والصفائح”.
تتخلل الأحاديث وصفات الطبخ، وتبادل المنتجات البلدية، ونصائح في تربية الأطفال ومساحيق التجميل.
وفجأة ينتبهن إلى توجس إحداهن من خطوتها المقبلة لأخذ خزعة من الثدي.
فيشرحن لها، بالتفصيل، ما سيجري لها، ماذا ستشعر، وماذا تتوقع..
حتى تسكن الطمأنينة قلبها.
يتصلن ببعضهن، يتشاركن المخاوف واليقين.
ويخبرن من تخلّفت عن جرعتها بسبب نقص المناعة عما فاتها من أحداث.
يجلبن البلح والبسكويت والحلويات، ويتقاسمنها مع العاملين بالمركز.
يسألنهم عن أهلهم وذويهم، ويخبرنهم أنهم يزدادون جمالًا، ويسألن باهتمام إن كانت إحداهن تمر بمشكلة ما.
ثم يحطنهم بسيل من الدعوات قبل أن يذهبن.
ومن بعيد، تسمع حديثهن كأنه (بيت عرس).
يُبقين المكان دافئًا، حنونًا وحميميًا، رغم كل ما يحملنه من خوف وتعب.
تسأل إحداهن:
“لماذا يختلف علاجي عن الأخريات؟”.
فتجيبها إحداهن:
“لأن لكل واحدة منا طريقها.. ولكل واحدة خطتها المحددة بعناية”.
وهنا، في هذا المكان، لا تتشابه الرحلات، لكننا لا نقطعها وحدنا.
معًا.. نتقاسم محبة ومشقة الطريق.