الذي يطارده الدبيب

مالك عقار.. السياسي الذي عبر الجسور ولم يبلغ غايته

بروفايل: (ديسمبر)

في عام 1997، ظهر مالك عقار في مقطع مصوّر وهو يحرق العلم السوداني، في ذروة الحرب بين الحركة الشعبية والدولة. وبعد أكثر من ربع قرن، في مايو 2023، صار الرجل نفسه نائباً لرئيس مجلس السيادة، جالساً في قمة السلطة التي قاتلها لعقود، تحت العلم نفسه الذي أحرقه ذات يوم.

بين المشهدين مسيرة عبرت منعطفات السودان الحديث: من حمل السلاح إلى وزارة الصناعة، ثم حكم ولاية النيل الأزرق بعد انتخابه، فالعودة إلى التمرد، قبل أن يقوده اتفاق السلام إلى مجلس السيادة. وفي كل مرة تبدلت فيها موازين القوى، وجد عقار لنفسه موقعاً في المشهد، حتى صار انتقاله بين الحرب والحكم جزءاً من سيرته السياسية.

اليوم، وقد تجاوز منتصف السبعين، يواجه سؤال المحصلة: ماذا حقق كل هذا الترحال؟ الحرب التي اندلعت وهو في قمة السلطة تتواصل وتتسع، ومبادرته لإنهائها لم تفتح حتى الآن مساراً تفاوضياً، فيما انقسمت الحركة التي قادها. وبين موقعه الرفيع وقدرته المحدودة على تغيير مسار الحرب، تتسع المسافة بين البقاء في السلطة وصناعة نتيجة سياسية.

وتُتداول في الأوساط السودانية عبارة ساخرة تُنسب إلى قائد الحركة الشعبية الراحل جون قرنق، تصوّر عقار رجلاً يصعب فصل المشكلة عنه: «لو رسّلت مالك عقار يكتل دبيب، بيجيك جاري والدبيب مشربك في كرعينو، ما تعرف تكتل الدبيب ولا تكتل مالك عقار». وفي هذه الصورة ما يتجاوز الطرفة؛ إذ تضع عقار أمام سؤال سيرته كلها: هل يملك القدرة على فك العقد التي يدخل فيها، أم ينتهي متشابكاً معها؟.

 

من الغابة إلى الوزارة

وُلد عقار عام 1952 في قرية سودا بمحلية باو في ولاية النيل الأزرق، في بيئة ارتبطت فيها الأرض والخدمات والتمثيل السياسي بحياة الناس اليومية. وشكّلت العلاقة مع السلطة المركزية في الخرطوم مصدر توتر لأهل المنطقة، الذين شعروا طويلاً بالتهميش وضعف تمثيلهم في مؤسسات الدولة. ويصف عقار علاقته بالمركز في تلك المرحلة بأنها «صراع واضح» دون «أذن مصغية».

في عام 1984 التحق بالحركة الشعبية لتحرير السودان. ويصف التجربة بأنها «مخاطرة أكثر من كونها مغامرة»، كمن يذهب إلى المجهول، لكن المجهول صار مساراً امتد عقوداً.

صعد في الحركة جامعاً بين العمل العسكري والحضور السياسي، وجاءت واقعة حرق العلم لتعبّر عن بلوغ القطيعة مع حكومة عمر البشير أقصاها.

ثم جاءت اتفاقية السلام الشامل عام 2005، فدخل مؤسسات الدولة وزيراً للصناعة. وفي أبريل 2010 انتُخب والياً للنيل الأزرق، فجرّبت الدولة لأول مرة رجلاً حمل السلاح ضدها يدير إحدى ولاياتها.

 

اختبار الدمازين

 

لم تدُمْ تجربة عقار في الحكم طويلاً. ففي السادس من يونيو 2011، اندلعت مواجهات واسعة في جنوب كردفان بين القوات المسلحة السودانية وقوات الجيش الشعبي، قبل أسابيع من استقلال جنوب السودان. فجّرت الاشتباكات خلافات متراكمة حول نتائج انتخابات الولاية، والترتيبات الأمنية، ومصير مقاتلي الحركة الشعبية في الشمال بعد الانفصال، ودفعت عشرات الآلاف إلى النزوح، لتفتح فصلاً جديداً من الحرب في جبال النوبة.

حاول عقار احتواء الأزمة، خشية أن تمتد إلى النيل الأزرق، الولاية التي كان يحكمها. لكن مساعيه، ومنها وساطة رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي، اصطدمت برفض الخرطوم، ولم تفلح في منع انهيار الترتيبات السياسية والأمنية التي أعقبت اتفاق السلام. وبعد أسابيع، في سبتمبر 2011، اندلعت المواجهات في النيل الأزرق، فعاد عقار إلى موقع التمرد، في تحول كشف ضيق المساحة المتاحة أمام قادة الحركة الشعبية الذين اختاروا العمل من داخل مؤسسات الدولة.

وبعد انفصال الجنوب، تولى عقار قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال، حاملاً إرث الحركة التي خاضت الحرب ثم شاركت في الحكم. غير أن الحفاظ على وحدتها أثبت أنه تحدٍّ آخر؛ ففي عام 2017، انقسمت الحركة بين جناحه وجناح عبد العزيز الحلو، ليتحول الخلاف داخل المعسكر الذي يقوده إلى أحد أبرز التحديات أمامه، إلى جانب صراعه المستمر مع الحكومة السودانية.

 

ثمن الموقع

 

رأى عقار في ثورة ديسمبر، بعد سقوط البشير، فرصة للعودة إلى الدولة من بوابة التسوية. ووقّع اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر 2020 وانضم إلى مجلس السيادة الانتقالي. وواجه الاتفاق تحديات في التمويل والدمج وتنفيذ بنود تقاسم السلطة.

ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021. فبدلاً من الانسحاب من المؤسسات التي انقلبت على المسار الانتقالي، بقي عقار في مجلس السيادة، وهو ما أثار اعتراض قوى مؤيدة للحكم المدني. ويدافع عنه مقربون بأن بقاءه ضرورة فرضتها توازنات معقدة.

أما منتقدوه فيطرحون سؤالاً أصعب: ما الذي بقي من المشروع الذي حمله حين اختار البندقية، إن كان قد انتهى إلى البقاء في مؤسسات سلطة نشأت عن انقلاب على الانتقال الديمقراطي؟. ويرون أن الانتقال بين مواقع متعارضة، من التمرد إلى المشاركة في الحكم ثم البقاء بعد الانقلاب، لا يثبت الانتهازية بذاته، لكنه يتيح مساءلة المبدأ الذي حكم خياراته؛ هل كان الموقع وسيلة لمشروع سياسي؟، أم صار الحفاظ عليه أولوية تتقدم على مقتضيات التحول الديمقراطي؟.

ويشير عقار أحياناً إلى أن السودان وقّع عشرات الاتفاقات من دون أن يتحقق استقرار دائم. غير أن منتقديه يرون أن المشكلة أعمق من كثرة الاتفاقات، وهي بقاء السلاح حاسماً في توزيع السلطة، وأن من شارك في جولات تفاوض متعددة يعلم أن التوقيع غالباً ما يكون بداية الطريق لا نهايته.

 

واجهة.. أم سلطة؟

 

في 19 مايو 2023 عيّن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان المحاصَر وقتها في القيادة العامة عقار نائباً لرئيس مجلس السيادة، خلفاً لمحمد حمدان دقلو «حميدتي»، قائد الدعم السريع.

وللتعيين قراءات متباينة. فعقار قائد سابق في الحركة الشعبية، وصاحب جذور في مناطق ظلت على هامش السلطة المركزية، وحضوره يضفي تنوعاً سياسياً وتمثيلاً إقليمياً على مجلس تقوده المؤسسة العسكرية. لكن الفارق كبير بين أن يكون المرء حاضراً في مؤسسات الحكم وأن يكون شريكاً في تحديد اتجاهاتها. ويبقى السؤال قائماً عن مدى تأثيره الفعلي في القرارات العسكرية والسياسية الكبرى.

ولا تتوفر أدلة كافية للجزم بأن البرهان يستخدم عقار أو يستعد للاستغناء عنه. لكن بنية العلاقة تثير مفارقة إن كان هامشه في صنع القرار محدوداً، فبقاؤه رهن بحسابات قيادة الجيش لا بوزنه السياسي المستقل. وفي نظام تتركز فيه أدوات القوة بيد القيادة العسكرية، قد يصبح الشريك الذي يؤدي وظيفة تمثيلية أقل ضرورة متى تبدلت الحسابات.

وفي أغسطس 2023 طرح عقار مبادرة لوقف القتال، فاصطدمت بتحفظات واسعة من أطراف النزاع. ثم تعرض لانتقادات حادة بسبب تقديراته السياسية وتوقعه أن تنتهي الحرب في ديسمبر 2024.

 

روايتان للحرب

 

منذ انقلاب أكتوبر 2021، وصولاً إلى اندلاع الحرب، اقترب مالك عقار من مواقف شركائه العسكريين في تفسير الأزمة السودانية وتحديد المسؤولية عن اندلاع القتال، كما ظهر هذا التقارب في موقفه من مشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في الحوار السياسي. وبذلك لم يعد الخلاف معه مقتصراً على خيارات الحكم، بل امتد إلى رواية الحرب والجهات التي ينبغي أن تشارك في رسم مستقبل البلاد.

وأثارت اتهامات عقار لقوى الحرية والتغيير بالمساهمة في إشعال الحرب، عبر «الطمع السياسي والتحريض»، ردّاً من شريف محمد عثمان، القيادي في تحالف القوى المدنية الديمقراطية «صمود». ففي مقال حمل عنوان «السيد مالك عقار.. اخترتَ الكذب بدلاً من مواجهة أخطائكم التي أحالت السودان إلى رماد»، رفض شريف تحميل التحالف مسؤولية اندلاع الحرب، مستنداً إلى موقفه المعلن منذ أيامها الأولى، والمتمثل في رفض القتال والتحذير من عواقبه والمطالبة بوقفه، ومشدداً على ضرورة الاحتكام إلى المواقف الموثقة.

وفي المقابل، استحضر شريف تقديرات عقار بشأن مسار الحرب، ولا سيما توقُّعه انتهاءها في ديسمبر 2024، ليجادل بأن تلك التقديرات لم تصمد أمام مسار الصراع. وهكذا اتسع السجال من تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن اندلاع الحرب إلى مساءلة التقديرات السياسية التي بُنيت عليها مواقف الطرفين، ومدى اتساقها مع الوقائع اللاحقة.

ويمتد الخلاف إلى شكل التسوية السياسية. فعقار يدافع عن عدم استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من الحوار على أساس الانتماء، فيما يرى شريف أن بعض حلفاء عقار من الإسلاميين يتعاملون مع استمرار الحرب باعتباره فرصة لاستعادة السلطة وتجنب المحاسبة. ويظل هذا التوصيف اتهاماً سياسياً صادراً عن شريف، يحتاج إثباته إلى أدلة مستقلة.

وراء هذا السجال خلاف أعمق على شروط إنهاء الحرب؛ هل يبدأ الحوار من مبدأ المشاركة المفتوحة، أم تُحدَّد المشاركة وفق مواقف الأطراف من القتال والانتهاكات ومسؤولية كل منها؟. فرفض الإقصاء لا يحسم وحده أهلية الأطراف للمشاركة، مثلما لا يكفي الاستبعاد بديلاً عن المساءلة. وتبقى المسألة في المعايير التي تضبط العملية السياسية، والضمانات التي تحول دون إعادة إنتاج الاستبداد تحت مظلة التسوية.

 

الجسر الأخير

 

أمضى عقار قرابة أربعة عقود بين الحرب والتفاوض والسلطة. يراه أنصاره براغماتياً بارعاً حافظ على حضوره في كل العهود، ويراه خصومه جزءاً من نخب أدمنت تبادل المواقع بينما تراوح أزمة الدولة مكانها.

 

وبين القراءتين تتجلى معضلة السياسة السودانية: كيف يسهم من حملوا السلاح ضد الدولة في إعادة بنائها، دون أن تبتلعهم ترتيبات السلطة وتعيد إنتاج الاختلالات القديمة؟. والاختبار الحقيقي ليس عدد القوى التي يدعو إلى إشراكها في الحوار، بل استعداده لتطبيق المعايير نفسها على حلفائه وعلى المؤسسة العسكرية التي بقي جزءاً من قيادتها السياسية.

لم يعبر عقار الجسور كلها من دون أن يخلّف انقسامات، وظل يجد طريقه إلى المشهد كلما تبدلت الموازين وأُغلقت الأبواب. وهذه القدرة على البقاء، التي يسميها أنصاره مرونة، هي ما يستحضره منتقدوه حين يستعيدون عبارة قرنق: «ما تعرف تكتل الدبيب ولّا تكتل مالك عقار؟».

في السودان، تتحدد قيمة السياسي بقدرته على فك العُقَد التي تعيد البلاد إلى أزماتها، وبما يتركه من أثر يتجاوز المواقع التي يشغلها. وعقار اليوم في قمة السلطة، فيما الحرب مستمرة. فهل يستطيع فكّ نفسه من «الدبيب» الذي التفّ على ساقيه، أم يظل «الدبيب» و«مالك» متشابكين، يعيد كلٌّ منهما الآخر إلى الدائرة ذاتها؟.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *