من املؤسف أن فترة الحكم اإلسالموعسكري )حقبة اإلنقاذ املشؤومة( دمرت أي مفهوم سوي للمواطنة في السودان، وذلك من َّ خالل تعامل النظام مع السودانيني كسكان لدار الحرب. وكما أشار إلي أحد أحب أقراني من أبناء مدينة »القطينة« أن اإلنقاذ تتبنى فكرًا أمميًا )موهومًا( إسالمنجيًا إلدارة الدولة. هذا الفكر األممي ال يعترف بمبدأ املساواة أو حقوق املواطنة املبنية على امليالد والوجود داخل الحدود القطرية. وقد ذهب النظام اإلسالموعسكري إلى أبعد من ذلك، وأعطى األجانب )دونما تطبيق لشروط التجنس وفقًا للقانون السوداني( جوازات سفر عادية ودبلوماسية، أي أن للكوز األجنبي حقوقًا أكثر من السوداني غير الكوز. اآلن أكاد أجزم أن »املواطن الرزيقي« وبقية من ينتمون إلى ما يسمى بـ«حواضن الدعم السريع القبلية » قد يستحيل عليه الحصول على جواز سوداني أو أي وثائق أخرى. يمكننا القول إن عددًا كبيرًا من املواطنني قد يسلب الكثير من ِ حقوقهم بعداد تصنيفهم أو وصفهم بـ«الوجوه الغريبة« في مواطنهم. منذ اندالع الحرب في أبريل ،2023 يشهد السودان أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، مع انهيار الخدمات الضرورية وتوسع العنف اإلثني ّ ة ً خصوصا في دارفور وكردفان. تقارير األمم املتحدة وتغطيات صحفي ّق ُ وث موثقة تشير إلى هجمات بعناصر عرقية، تعلو معها الكراهية وت جرائم ضد اإلنسانية. هذا يعني أن انعدام املواطنة املتساوية ال يبقى ً ا على األرض. ففي دارفور وحدها تجاوز ًا متجسد فكرة؛ بل يصبح عنف عدد النازحني 11 مليون نازح داخليًا، واألرقام ما تزال في تصاعد، بينما ماليني آخرون صاروا الجئني عبر الحدود. وتجاوز عدد ضحايا الحرب 40,000 قتيل )على أقل تقدير(، كما أوردت األمم املتحدة بينما تحولت مناطق مثل الفاشر ومعسكر زمزم إلى موطن للمجاعة والقتل الجماعي، مع منع إيصال الغذاء والدواء. جوهر المواطنة المتساوية: • الحقوق املتساوية: كل فرد له الحق في التعليم، والصحة، والعمل، واملشاركة السياسية، والحماية القانونية، بغض النظر عن خلفيته. • الواجبات املشتركة: الجميع يخضعون لنفس القوانني، ويلتزم بنفس املسؤوليات تجاه الدولة واملجتمع. ّ ع ُ وز • العدالة في التوزيع: املوارد العامة والخدمات يجب أن ت ُحتكر في يد فئة أو جهة بعدالة بني جميع املناطق والفئات، ال أن ت معينة. ُ ِ االختالفات ُ املتساوية ُلغي املواطنة • االعتراف بالتنوع: ال ت َ أو الدينية، بل تحميها وتضمن احترامها ضمن إطار قانوني الثقافية جامع. في دول مثل السودان، حيث تتعدد الهويات واالنتماءات، تصبح ً ا ملنع التهميش، وإنهاء الصراعات، ًا أساسي املواطنة املتساوية شرط ُ شعر كل فرد بأنه جزء أصيل من الوطن، ال وبناء عقد اجتماعي جديد ي ً ا فيه. يعني ببساطة يكون املدير أو الوزير أو الرئيس من دارفور هامش ٍّ من االستثناءات أو جبال النوبة أو من الفالتة أو من الحلنقة أو من أي الواردة، وهي قائمة استثناءات تمييزية أو عنصرية. املهم أنها مواطنة سودانية أو مواطن سوداني. الجذور التاريخية للتمييز: ّ تحول الهوية إىل أداة للفرز فعلى مدى عقود، استخدمت النخب السياسية الجغرافيا والهوية ّ شت مناطق مثل دارفور وجبال النوبة ُ م إلعادة توزيع االمتيازات، فه ُ كرت السلطة والثروة في الخرطوم. هذا التمييز والنيل األزرق، بينما احت ّ د الطريق لتدوير املظالم وتغذية الحروب، وجعل من النزاع البنيوي مه ً ا لعقد اجتماعي مكسور، ال مجرد صراع جنراالت. أود الحالي انفجار اإلشارة هنا الي أن مقالنا القادم سيركز على الهوية كموضوع مكمل للمواطنة املتساوية. تكفي اإلشارة هنا إلى أن هناك قائمة طويلة من املفاهيم العنصرية والتمييزية السائدة في وطننا الحبيب، والتي لها عالقة مباشرة بحرمان الكثير من السودانيني من املواطنة املتساوية والحقوق الناتجة عنها. ُترجم إىل وعود لم ت مؤسسات اتفاقية أديس أبابا عام 1972 ودستور 1973 »الدائم« واتفاقية السالم الشامل عام 2005 حاولت تضميد هذا الكسر، عبر التأكيد على مبدأ املواطنة املتساوية واحترام التنوع الثقافي والديني. لكن رغم ُترجم هذه النجاحات الجزئية، لم ت املبادئ إلى مؤسسات وقوانني وموازنات. فعادت البنية التمييزية لتنتج جوالت جديدة من العنف. السودان طرف في الكثير من اتفاقيات حقوق اإلنسان الدولية واإلقليمية والتي تعتبر حتى يومنا هذا جزءًا ال يتجزأ من القانون الداخلي. ً ، العهد الدولي للحقوق املدنية مثال والسياسية، الذي يفرض املساواة دون تمييز، ويكفل حماية األقليات، ويمنع التحريض على الكراهية. كما صادق على اتفاقية القضاء على التمييز العنصري منذ عام .1977 لكن الفجوة بني النصوص والتطبيق ظلت واسعة، ِ إلى املعايير والدساتير املحلية لم ترتق الدولية، ما فتح ثغرات قانونية ملمارسات تمييزية متجددة. بساطة، ال أعتقد بأننا في حاجة إلى نصوص أكثر من حاجتنا إلى مواجهة الوضع الراهن لحالة املواطنة في السودان. ّ عندما يتحول غياب المساواة إىل عنف جمايع منذ اندالع الحرب في أبريل ،2023 يعيش السودان أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، مع انهيار الخدمات وتوسع العنف اإلثني، خاصة في دارفور وكردفان. تقارير أممية وصحفية توثق هجمات ذات طابع عرقي، ما يرفع القلق من جرائم دولية جسيمة. هذه الوقائع تؤكد أن إنكار املواطنة املتساوية ال يبقى في النصوص، بل يتحول إلى عنف يستبيح األجساد والكرامة. المواطنة المتساوية: مرشوع متكامل ً ا ليست املواطنة املتساوية شعار ً يشمل: ً ا متكامل ً ا، بل مشروع إنشائي • دسترة املساواة بنصوص غير قابلة للتعطيل، وسن قانون شامل ملناهضة التمييز. • استقالل القضاء، وتدريب العاملني في األجهزة العدلية وأجهزة إنفاذ القانون على معايير عدم التمييز، وضمان الوصول إلى العدالة بلغات محلية. • حماية لغات وثقافات األقليات، ومنع التحريض على الكراهية. • توزيع املوارد وفق مؤشرات الفقر واالحتياج، ال القوة السياسية. • التصديق على اتفاقية سيداو، وحماية النساء من العنف املرتبط بالنزاع. من تقاسم السلطة إىل تقاسم المواطنة: تغيير قواعد اللعبة أثبتت تجارب السودان أن تقاسم السلطة بني النخب ال يصنع ُ سند إلى مساواة مواطنية. الحل يكمن في: ً ا إن لم ي سالم • حظر املحاصصة املسلحة، ّ واإلتيان أو التمثيل اإلثني املخل ِّ جة مثل مناوي أو بشخصيات مهر عقار، بينما تزخر دارفور والنيل األزرق بمن هم أكثر كفاءة والتزامًا مبدئيًا لتمثيل مناطقهم أو لحكم السودان أسوة باآلخرين. لو أراد البعض برهانًا على ذلك، فما عليه إال الذهاب لكمباال أو نيروبي ليتعرف على بعض النماذج املذهلة لشابات وشباب هذه املناطق من الذين شردتهم الحرب. ولعلني أستشهد هنا بما كتبه يومًا صالح شعيب حيث قال: »إن دارفور التي ساهمت بآباء كرام، وإباء ملهم، في صنع السودان الحديث هي رهان السودان ألن يبقى دولة«. وشكري موصول هنا لصديق العمر، قاسم محمد صالح، الذي لفت نظري إلى ما يخطه يراع صالح شعيب. • إصالح قطاع األمن تحت سلطة مدنية. • المركزية عادلة تربط التفويض باملحاسبة. • عدالة انتقالية تعترف باالنتهاكات وتمنع تكرارها. • سياسات لغوية وثقافية تعكس التعددية السودانية. • توفير خدمات األوراق الثبوتية )بما في ذلك البطاقة الوطنية والرقم الوطني..إلخ( والجوازات في كل عواصم األقاليم كحقوق أصيلة غير قابلة ٍّ من أجهزة الحكم. لالنتزاع بواسطة أي وبالتالي فإن قرارات البرهان وزمرته الحاكمة بعدم إصدار جوازات ملواطنني سودانيني، بحجة أنهم تابعون أو داعمون لطغمة حميدتي، غير قانونية ٍّ سافر على حق مكفول لكل وتعد سوداني، بما في ذلك الداعمون ألطراف النزاع من مجرمي الحرب. االقتصاد السيايس للمواطنة: من الريع إىل الحقوق ّ ق االقتصاد الريعي في عم ً ا السودان التفاوتات وأنتج غضب ً ا. املطلوب هو سياسة مسلح اقتصادية حقوقية تشمل: ّ لة. • موازنات معل • إنفاق اجتماعي موزون باالحتياج. • شفافية في عقود املوارد. • مشاريع بنية تحتية تستهدف الفجوات التاريخية. اإلعالم والتعليم: صناعة خيال وطين جديد هنا يكمن بيت القصيد. فاملساواة تحتاج إلى سردية تحميها، تبدأ من منهج تعليمي يعكس تعددية السودان، وإعالم عام يحارب خطاب ً ا الكراهية ويعزز القيم الدستورية، ليصبح االنتماء الوطني مجموع ً ا ال صراع أقليات وأكثريات. سنفصل في الكثير من هذه ديناميكي املفردات في املقاالت التالية. وهنا يجب التأكيد على حق كل من ولد بأرض السودان في أن يتمتع باملواطنة املتساوية في السراء والضراء. خاتمة: المواطنة المتساوية كرشط للسالم الحقييق لن يتراجع العنف في السودان ملجرد أننا سئمناه، فالدمار وحده ال يوقف الحرب كما ذكرنا في مقالنا األول، بل يفتح شهية املزيد من ّ ر قواعد اللعبة السياسية االنتقام. العنف لن يتوقف إال عندما نغي واالجتماعية التي سمحت له أن يتجذر لعقود. واملواطنة املتساوية ليست مجرد مبدأ أخالقي أو بند دستوري، بل هي البوصلة الوحيدة ّ األمان، ألنها تمنح القادرة على إعادة توجيه سفينة السودان نحو بر كل سوداني الحق ذاته في األمن والكرامة والفرص، بصرف النظر عن أصله أو لونه أو دينه أو منطقته. لقد وعدتنا الدساتير واالتفاقيات الدولية بالكثير، من أديس أبابا إلى نيفاشا، ومن العهد الدولي إلى مواثيق االتحاد اإلفريقي، لكن هذه الوعود ظلت في معظمها حبرًا على ورق. السالم الحقيقي ال يولد من الورق، بل من مؤسسات حقيقية، وقوانني قابلة للتطبيق، وموازنات ُخضع السالح ُبنى على العدالة ال على الريع، وإرادة سياسية ت ت لسيادة القانون، ال العكس. ًا وال أمنية إن بناء دولة تقوم على املواطنة املتساوية ليس ترف مثالية؛ بل هو الشرط الوحيد للخروج من حلقة الدم واالنهيار. ًا يسع الجميع، فال بد أن نكسر منطق االمتيازات فإذا أردنا سودان ُ لد والوالءات الضيقة، وأن نرسخ قاعدة واحدة واضحة: كل من و ُ منح له بمنة من ُ نتزع منه حقه، وال ي ً ا هو مواطن كامل، ال ي سوداني أحد. أتطلع لليوم الذي نهتف فيه »أنا سوداني أنا أنا أنا سوداني أنا«، دونما الحاجة إلى إضافة عالمات االستفهام أو التعجب. المواطنة المتساوية يف السودان: مـــن لغـــة البنـــادق إىل ســالم الحقــوق في قلب املأساة السودانية، بني نار الحرب وضيق العيش وتفكك الدولة، َ بعد، وقد يكون في طريقه ليصبح »غرغرينا«: غياب ُ شف َ يبرز جرح بعد، وقد يكون في طريقه ليصبح »غرغرينا«: غياب ٌ قديم لم ي ُ شف ٌ قديم لم ي يبرز جرح املواطنة املتساوية كقاعدة ناظمة للسلطة واملوارد والحقوق. فمنذ االستقالل، ظل التمييز بني املركز والهامش، وبني القبائل واملناطق ً بنيوية للدولة، ما جعل االنتماء الوطني واألديان واللغات، سمة درجات، والحقوق امتيازات قابلة للسحب. املواطنة املتساوية هي مبدأ أساسي في بناء الدول العادلة، ويعني أن جميع املواطنني يتمتعون د.العبيد أحمد العبيد اللغة أو الجنس أو االنتماء الجغرافي أو االجتماعي. ِ بنفس الحقوق والواجبات دون أي تمييز على أساس العرق أو الدين أو المواطنة المتساوية مبدأ أسايس يف بناء الدول العادلة، وتعين أن جميع المواطنني يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات دون أي تمييز عىل أساس ِ العرق أو الدين أو اللغة أو الجنس أو االنتماء الجغرايف أو االجتمايع يف دول مثل السودان متعدد الهويات واالنتماءات تصبح المواطنة ً المتساوية رشط ً ا أساسيا لمنع التهميش، وإنهاء الرصاعات، وبناء ُ عقد اجتمايع جديد يشعر كل فرد بأنه ً جزء أصيل من الوطن، ال هامشا فيه إن دارفور اليت ساهمت بآباء كرام وإباء ملهم، يف صنع السودان الحديث هي رهان السودان ألن يبىق دولة المساواة تحتاج إىل رسدية تحميها، تبدأ من منهج تعليمي يعكس تعددية السودان، وإعالم عام يحارب خطاب الكراهية ويعزز القيم الدستورية، ً ليصبح االنتماء الوطين مجموع