أكتوبر… وأجيال معلقة على أجنحة الحلم

أماني أبو سليم

 

من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصرْ؟.

بهذا السؤال يفتتح محمد المكي إبراهيم صوته الواثق في قصيدته عن ثورة أكتوبر 1964. كان يتحدث عن جيله، وعن كيف آمن بقدرته على تغيير الواقع، وأنهم رأوا في الثورة بداية لحياة مختلفة، تستحق سلك الدروب الوعرة ومواجهة الرصاص.

لم يكن الفخر في القصيدة بما تحقق وحده، وإنما حتى بإمكاناتهم التي تتجاوز زمانهم إلى المستقبل. يواصل المكي:

وسنبدع الدنيا الجديدة وفق ما نهوى

ونحمل عبء أن نبني الحياة ونبتكرْ

أتى بالمستقبل إلى زمانه في هذه الكلمات، وحمّل جيله مسؤولية تحقيق الحلم. جيل يرى أنه سيصوغ حتى المستقبل، وسيترك أثرًا يتجاوز لحظة الثورة إلى ما بعدها وبعدها.

بعد عقود من القصيدة، وقد تغير الكثير من حولنا وتبدل الحال، تعاقبت على السودان أجيال، وظلت أسئلة الحرية والحكم والعدالة تعود بأشكال مختلفة. وكأن كل جيل يجد نفسه، في وقت ما، أمام أسئلة من المفترض أن تكون الأجيال السابقة قد أجابت عنها.

فماذا بقي من أحلام أكتوبر؟ وماذا يعني أن يصف جيل نفسه بأنه “جيل العطاء”، بينما تأتي من بعده أجيال تجد نفسها مطالبة بالنضال من أجل مطالب تشبه تلك التي خرج من أجلها وأكثر؟.

لا ينتقص من قيمة أكتوبر أن التجربة الديمقراطية لم تستمر، أو أن الحكم العسكري عاد إلى السودان. فقد تركت الثورة في الذاكرة السودانية دليلًا على أن التغيير ممكن، وأن الناس يستطيعون أن يصنعوا لحظات تغيّر حاضرهم وتاريخهم.

لكن بين إسقاط نظام وبناء حياة مختلفة مسافة طويلة. وهنا يحضر سؤال: ما الذي يحدث للأحلام بعد أن تنجح الثورة؟ وكيف يمكن تحويلها من لحظة تاريخية إلى واقع ومستقبل يعيشه الناس؟.

لا تصنع الأجيالُ التاريخَ بمعزل عمن سبقها، ولا تبدأ كل تجربة من الصفر. يرث اللاحقون عن السابقين أحلامًا وتجارب وذكريات، لكنهم يرثون أيضًا أسئلة لم تجد إجاباتها. وقد يجد جيل نفسه مطالبًا بتحقيق ما عجز جيل قبله عن إتمامه، أو بإعادة المطالبة بما ظن أن الطريق إليه قد فُتح.

ومع ذلك، لكل جيل تجربته الخاصة. قد تتشابه المطالب، لكن ذلك لا يعني أن الظروف واحدة، أو أن التجارب قابلة للتكرار. ما كان إنجازًا لجيل قد يصبح مطلبًا لجيل آخر، وما عاشه السابقون على أنه بداية جديدة قد يراه اللاحقون طريقًا لم يكتمل.

واليوم، ونحن نعيش حربًا غيّرت حياة السودانيين، ودفعت كثيرين إلى النزوح أو اللجوء وفقدان البيوت والأعمال والدراسة، يبدو السؤال عن العطاء أكثر تعقيدًا. كيف نفهم العطاء في زمن ينشغل فيه الناس بحماية حياتهم، وبمحاولة استعادة ما فقدوه؟.

قد يكون العطاء مشاركة في تغيير سياسي كبير، وقد يظهر في أفعال يومية لا يلتفت إليها أحد كثيرًا، في تعليم طفل، أو مساعدة أسرة، أو الحفاظ على المعرفة، أو محاولة بناء حياة وسط التشتت. لكل زمن ما يفرضه من مسؤوليات، ولكل جيل تجربته في مواجهتها.

لهذا أعود إلى عبارة “جيل العطاء”. هل يحق لكل جيل أن يرى نفسه بهذه الصورة؟ أم أن الزمن، بما يكشفه من نتائج وما يتركه من آثار، يعيد النظر في الصورة التي صنعها كل جيل عن نفسه؟.

ربما لا نحتاج إلى أن نقارن الأجيال أو نضعها في منافسة. لكل جيل ما عاشه، وما حلم به، وما استطاع تحقيقه أو عجز عنه. لكن تجربته تظل مفتوحة على قراءة الآخرين، الذين قد يجدون فيها ما يستحق الاعتزاز والفخر، وما يدعو إلى التساؤل، وربما الأمرين معًا.

كتب محمد المكي إبراهيم عن جيله، وبقيت القصيدة حاضرة حتى الآن. نقرؤها اليوم، فنجد فيها صوت زمن مضى، وأسئلة ما تزال تعنينا.

وحين يأتي جيل آخر ليقرأ تجربتنا، كما نقرأ نحن تجربة أكتوبر، ماذا سيجد؟ ما الذي سيبقى من أحلامنا، وماذا سنكون قد تركنا لمن يأتي بعدنا؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *