مدرب التسويق: حكاية لستك ومليون متابع

أماني أبوسليم

 

من الحيل التي قد تجذب الانتباه في حديث مقدّم أو كتابة كاتب، جرّ الكلام إلى شأن نسائي، أو استعراض طريقة تعامله مع وجوده وسط نساء شابات، خصوصاً حين يصنع من الموقف مفارقة مضحكة، أو يستحضر شبابهن وجمالهن، أو يستخف بتفكيرهن، أو يُظهرهن في صورة الضعيفات المحتاجات إلى قيادته.

 

هذا ما ذهب إليه مدرب التسويق المعروف في حكايته عن موكب شارك فيه. وللعجب، كان الموكب من الشابات فقط، ولم يكن فيه بحسب روايته، شاب أو رجل غيره،  وكان ذلك في أحد أخطر أيام الثورة، السادس من أبريل، وفي نمرة 2، متجهاً إلى القيادة العامة، أي في طريق لا بد أن يمر بالمكان المحيط بمبنى الأمن.

 

في روايته، يجد نفسه سيشعل اللستك، لا ممجداً نفسه كثائر، ولا اللساتك، ولا حتى صاحبات الموكب، بل مستهزئاً. أشعل اللستك بلا وقود، من مصباح علاء الدين؟! سار الموكب كما سرب الحمام في سماء صافية بلا عوائق. وصل إلى ميدان القيادة، وإذا به ممسكٌ برسن الثائرات، كما صوّر نفسه، في لحظة مجد ذكوري: ثائرات السادس من أبريل ساهلات القيادة، يسرن خانعات لمن انجذب إلى شبابهن وجمالهن، بعد أن أثبت استحقاقه للقيادة بحرق لستك!.

يا لمجد اللساتك حين تمنح مجدها لغير ثائر، بل لمن يريد أن يحقق معادلة تسويقية! جمهور من الشابات، وشمس نهار حارقة، ليس هناك أنسب من هذا لمسوِّق مستحضرات تجميل. يا لحظِّ منتجه؛ واقي الشمس! هنا سيجد عملاءه المتوقعين، كما تقول كتب التسويق.

 

لكن المفارقة ليست في واقعة إشعال اللستك، ولا في أن يروي شخص تجربته في الثورة، بل في الصورة التي اختار أن يرسمها من خلال حكايته: نساء شابات تسهل قيادتهن، ورجل يتقدم المشهد ليصبح بطل الرواية. كيف اختزل خياله حكاية الموكب في أن الثائرات مجرد جمهور محتمل لمنتج تجميلي؟ كنّ مشاركات في لحظة سياسية محفوفة بالخطر، في يوم له مكانته في ذاكرة الثورة. لكن طريقة حكيه تنقل المشهد من تجربة جماعية إلى بطولة فردية، وتختزل حضور الثائرات في شبابهن وجمالهن، وتحول الموقف إلى مفارقة قابلة للاستثمار التسويقي. وحين تُستدعى الشابات بوصفهن جميلات أو ساذجات تسهل قيادتهن، فإن الحكاية لا تنتقص من تجربتهن فحسب، بل تكشف أيضاً عن الطريقة التي اختار أن يقدم بها نفسه أمام الجمهور.

 

قد يختلف الناس في تقييم الثورة ومواقفها، وقد تتباين قراءاتهم لما جرى في السادس من أبريل، لكن ذلك لا يلغي أن شعارات الثورة ومطالبها لا تزال حاضرة حتى في خطاب أطراف تختلف معها أو تختلف فيما بينها، بما يكشف عن استمرار حضورها في الذاكرة العامة، وعن القيمة الرمزية التي لا يزال كثيرون يسعون إلى الاستفادة منها بتسويق أنفسهم كمناصرين لها.

 

فكيف يغيب ذلك عن مدرب تسويق يخاطب شباباً سودانيين يسعون إلى تطوير مهاراتهم والتقدم مهنياً، وهم جزء من الجيل الذي صنع الثورة وعاش تفاصيلها؟. علاقته بهذا الجمهور لا تنفصل عن طريقة تعامله مع القضايا التي تمس ذاكرته وتجربته، فتجربة ديسمبر ليست تفصيلاً عابراً في ذاكرة كثير من الشباب الذين يخاطبهم، بل جزء من ذاكرتهم المشتركة. ومخاطبة هذه الذاكرة من العوامل التي تجذب انتباه الجمهور في التسويق، وتساعد على بناء صلة معه.

 

هاجمه كثيرون احتجاجاً على استخفافه بالثورة ومواقفها، التي لا تزال تمثل جامعاً مشتركاً لجمهور واسع رغم انقسامه بعد الحرب. وهذا الجمهور يضم أيضاً شباباً يسعون إلى التقدم المهني، وهم من الفئات التي يخاطبها بمحتوياته التدريبية. لكن رده على الهجوم كان أن عدد متابعيه ارتفع إلى المليون، وأن إيراداته من فيسبوك زادت.

المنصات الرقمية تقيس ما يمكنها رصده: المشاهدات والتفاعل والوصول، وقد تحقق بعض المحتويات إيرادات أعلى بسبب قدرتها على إثارة النقاش. لكنها لا تقيس بالضرورة مقدار الثقة التي يمنحها الجمهور لصاحب المحتوى، ولا  مدى استعداده للاستمرار معه على المدى الطويل. المليون متابع رقم، والإيرادات رقم آخر، أما السمعة المهنية فتتكون من علاقة أكثر تعقيداً، لا تختصرها لوحة إحصاءات.

 

فالبراند الشخصي، أو العلامة الشخصية، هو الصورة التي تتكوّن في أذهان الناس عن الشخص، وما يرتبط باسمه من سمعة وثقة. لا يتعلق الأمر بعدد من يتابعونه فحسب، بل بما يعرفه الناس عنه، وما يتوقعونه منه، ولماذا يختارونه دون غيره. ويتشكل البراند الشخصي من معرفة الشخص في مجاله، وما يقدمه لجمهوره، وطريقة تعامله معه، والأهم، مدى اتساق ما يقوله مع ما يفعله. وفي مجال التدريب، لا يكفي أن تجذب الناس إلى محتواك، فالمطلوب أن يثقوا بما تقدمه، وأن يجدوا فيك ما يدفعهم إلى التعلم منك والعودة إليك. هنا تصبح الثقة والولاء جزءاً من النجاح المهني، لا مجرد أرقام تضاف إلى عدد المتابعين.

 

وهذا هو التناقض الذي تضعنا أمامه الحكاية: أن يستخدم مدرب التسويق نجاح المحتوى في جذب الانتباه دليلاً على نجاحه، بينما يثير محتواه نفسه أسئلة عن أحد المبادئ المهمة في التسويق، وهو بناء الثقة والولاء لدى الشريحة المستهدفة. فقد يربح من الجدل في المدى القصير، لكن ليس كل ربح تحققه المنصة يتحول تلقائياً إلى رصيد في علامته الشخصية.

 

المفارقة أن مدرب التسويق، وهو يتباهى بأن ما أثار الانتقاد زاد متابعيه وإيراداته، يتغافل عن مبادئ تسويقية بديهية يعرفها ويدرّب الآخرين عليها. فزيادة المتابعين لا تعني بالضرورة نجاحاً في بناء العلامة الشخصية، كما أن جذب الانتباه لا يساوي كسب ثقة الجمهور. وهكذا، في محاولته إثبات نجاحه بالأرقام وإنكار سقطته، يكشف عن تناقض بين ما يعلّمه وما تكشفه حكايته عن ممارسته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *