تقرير – خاص: (ديسمبر)
في 25 أكتوبر 2021، أطاح الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالحكومة الانتقالية في السودان، واعتُقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ومسؤولون مدنيون، وأُعلنت حالة الطوارئ وحُلَّ مجلسا السيادة والوزراء. بذلك انهارت الشراكة التي قامت بعد سقوط نظام عمر البشير، وتوقّف مسار الانتقال نحو الحكم المدني. وبعد ثلاثة أيام، دعا مجلس الأمن الدولي إلى استعادة الحكومة الانتقالية بقيادة مدنية.
أبقى الانقلاب مراكز القوة العسكرية خارج الرقابة المدنية، وأضعف المؤسسات السياسية القادرة على إدارة التنافس بين الجيش والدعم السريع والإشراف على إصلاح القطاع الأمني، ممهداً لتحول الصراع على السلطة داخل المعسكر العسكري إلى مواجهة مسلحة اندلعت بعد نحو عام ونصف.
تفكك التحالف
يرى الباحث في قضايا الانتقال معز الزين أن انقلاب أكتوبر اختلف عن الانقلابات السابقة بتعدد الأطراف المشاركة فيه، من قيادات الجيش والدعم السريع إلى حركات مسلحة وقوى سياسية ومدنية ساندت الحكم العسكري، فضلاً عن تداخل المصالح والارتباطات الإقليمية. وبحسب قراءته، لم ينجح الانقلاب في إنهاء الثورة أو بناء سلطة مستقرة، بينما عمّقت التناقضات بين مكوناته الاستقطاب السياسي وأضعفت فرص الانتقال.
قبل اندلاع الانقلاب بشهر، حذّر الكاتب والمحلل السياسي الحاج وراق من أن التحالف الانقلابي يحمل في داخله عوامل انفجاره. وبعد وقوعه، فصّل تنازع الإرادات بين البرهان وحميدتي وعلي كرتي، الذي مثّل في قراءته نظام البشير، في ظل غياب رؤية استراتيجية مشتركة. ورأى أن ضغط الشارع يدفع أطراف التحالف إلى تجديد توافقها، فيما تتراجع دوافعه كلما انحسر الضغط.
استبقت قراءة وراق حرب أبريل، وكشفت هشاشة التحالف الذي أطاح بالشراكة المدنية: مراكز قوى متنافسة، بلا اتفاق مستقر على شكل الدولة أو توزيع السلطة داخل المؤسسات العسكرية.
ويقدم الكاتب والمحلل السياسي عزت الشريف قراءة لاحقة لهذه التناقضات، إذ يرى أن معسكر البرهان يضم شبكات من النظام السابق وحركات مسلحة وتشكيلات محلية ومصالح اقتصادية وارتباطات خارجية، من دون أن يعني اجتماعها في مواجهة خصم عسكري اتفاقها على شروط السلام أو شكل الحكم بعد الحرب. فالمصالح التي تجمع أطرافاً في ساحة القتال قد تتعارض عندما يتعلق الأمر بتوزيع السلطة والموارد أو المساءلة عن الانتهاكات.
فشل التسوية
في 21 نوفمبر 2021، وقّع حمدوك اتفاقاً مع البرهان عاد بموجبه إلى رئاسة الوزراء. لكن الاتفاق لم يُعِد الشراكة السابقة، واستمرت الاحتجاجات الرافضة للحكم العسكري، فيما ظلت قدرة رئيس الوزراء على ممارسة سلطته محدودة. وبعد اثنيني وأربعين يوماً استقال حمدوك في 2 يناير 2022.
وكانت مجموعة الأزمات الدولية قد تناولت، في تحليلاتها للمرحلة التي أعقبت الانقلاب، صعوبة استعادة الانتقال عبر تسوية تعيد رئيس الوزراء من دون تغيير ميزان السلطة الذي فرضته القيادة العسكرية. وتبرز أهمية هذه المرحلة في أنها أظهرت الفارق بين إعادة مسؤول مدني إلى منصبه، واستعادة سلطة مدنية فعلية على مؤسسات الدولة.
ويرى الشريف أن الاتفاق لم ينقل أدوات القرار والتعطيل من القيادات العسكرية إلى مؤسسات خاضعة للمساءلة المدنية. وبذلك بقيت القضايا المتعلقة بمستقبل الجيش والدعم السريع، وعلاقتهما بالدولة، خارج تسوية سياسية قادرة على فرض التزامات ملزمة.
ازدواجية المؤسسة
حذّر وراق مبكراً من وجود جيشين في الخرطوم، واصفاً ذلك بأنه “قنبلة موقوتة”. فقد اجتمعت في العاصمة قيادتان عسكريتان منفصلتان، لكل منهما هيكلها القيادي ونفوذها ومصالحها، من دون اتفاق نهائي على توحيد القيادة أو إخضاع القوتين لسلطة مدنية.
لم ينشأ هذا الازدواج مع انقلاب أكتوبر؛ فقوات الدعم السريع تطورت خلال عهد البشير إلى قوة ذات قيادة مستقلة ونفوذ اقتصادي وعسكري، ثم شاركت الجيش في السلطة بعد سقوطه. لكن الانقلاب أبقى الطرفين في قلب الحكم، من دون معالجة مؤسسية لمستقبل العلاقة بينهما.
وفي الأشهر السابقة للحرب، تصاعد الخلاف بشأن إصلاح القطاع الأمني ودمج الدعم السريع في الجيش، ولا سيما المدة الزمنية للعملية وسلسلة القيادة في القوة الموحدة. وأخفقت المفاوضات في تسوية هذه القضايا، فيما تصاعد التوتر العسكري قبيل اندلاع القتال.
تتجلى الصلة بين الانقلاب والحرب في إضعاف المسار المدني القادر على إدارة التنافس بين الجيش والدعم السريع، وترك مستقبل السلاح رهناً بتوازنات القيادات المسلحة. ومع غياب سلطة مدنية تفرض قواعد ملزمة، تصاعد الخلاف حتى انفجر في مواجهة مفتوحة. وربما كانت حكومة مدنية ستواجه صعوبة في تسوية الخلافات الأمنية، لكن إقصاءها حرم البلاد من إحدى الآليات المؤسسية الممكنة لاحتواء الصراع سلمياً، في وقت كانت فيه الحاجة إلى التسوية أكثر إلحاحاً.
سيطرة الموارد
تراكمت المصالح الاقتصادية للمؤسسات العسكرية خلال عقود من الحكم السلطوي، لترسّخ علاقة متداخلة بين السلاح والسلطة في السودان. ويرى الشريف أن إخضاع الشركات والأنشطة الاقتصادية العسكرية لولاية وزارة المالية، إلى جانب مراجعة الإنفاق الدفاعي، يشكّل شرطاً لاستعادة الرقابة المدنية على الموارد العامة.
وتكتسب المسألة أهمية تتجاوز حجم الشركات أو إيراداتها؛ إذ ترتبط بقدرة المؤسسات المسلحة على الاحتفاظ بمصادر تمويل ونفوذ مستقلة عن الموازنة العامة، وبمدى خضوع قراراتها الاقتصادية والسياسية للمساءلة.
وتشير العديد من التحليلات إلى أن شبكات اقتصاد الحرب تسهم في استمرار القتال وترسيخ الانقسام الاقتصادي. ويعزز هذا المنظور ضرورة التعامل مع التمويل بوصفه جزءاً من أي تسوية مستدامة، لا ملفاً منفصلاً عن التفاوض السياسي والأمني.
تقدم المصالح الاقتصادية أحد مفاتيح فهم الحرب، ويظل تحديد أثرها في قرارات القتال رهناً بتتبع ملكية الشركات ومصادر الإيرادات وشبكات التمويل، وربطها بأدلة محددة على مواقف القيادات وسلوكها. وتبرز هنا أهمية أي اتفاق سياسي يعالج استقلال الموارد العسكرية، إذ إن وقف القتال وحده قد يُبقي البنية الاقتصادية التي تسمح لمراكز القوة بممارسة نفوذها خارج مؤسسات الدولة.
إرث الانهيار
يضع الزين الأزمة في سياق أوسع من التراجع المؤسسي والاقتصادي، بدأ قبل انقلاب أكتوبر بسنوات. فقد أدى انفصال جنوب السودان عام 2011 إلى فقدان معظم إنتاج النفط وإيراداته، وتفاقمت الأزمات الاقتصادية والسياسية، فيما واجهت احتجاجات سبتمبر 2013 قمعاً دموياً، قبل أن تفتح ثورة ديسمبر 2018 فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس مختلفة.
أطاحت الثورة برأس النظام، بينما ظل إرث الحكم السلطوي ومراكز النفوذ القديمة حاضرين خلال الفترة الانتقالية، وعجزت الشراكة عن بناء مؤسسات أمنية تخضع لرقابة مدنية كاملة. وتضافرت الانقسامات بين القوى المدنية مع تنازع المصالح داخل السلطة العسكرية، فأضعفت مسار الانتقال.
يتجاوز الصراع خلاف البرهان وحميدتي إلى هشاشة الدولة، وتعدد مراكز القوة المسلحة، والتفاوت الإقليمي، وتراكم الأزمات السياسية والأمنية في ظل إرث طويل من الحكم العسكري. وفي هذا السياق، جاءت حرب أبريل حصيلة تفاعل هذه الاختلالات، فيما عمّق انقلاب 2021 أزمتها وأضعف فرص معالجتها سياسياً ومؤسسياً.
الكلفة الإنسانية
دمرت الحرب المنازل والبنية التحتية والمرافق الصحية والتعليمية ومصادر الرزق، وأجبرت أكثر من 11 مليون شخص على النزوح داخل السودان، فيما لجأ أكثر من 3.9 مليون إلى دول الجوار، ليرتفع إجمالي من اضطروا إلى مغادرة منازلهم إلى نحو 15 مليون شخص، وسط تفاقم الأزمة الإنسانية وتحذيرات أممية من المجاعة في مناطق عدة.
تراكمت هذه الكلفة بفعل الحرب والانتهاكات والدمار الذي أصاب مؤسسات الدولة والاقتصاد، فيما أسهم الانقلاب في إضعاف المسار السياسي القادر على احتواء الخلافات قبل تحولها إلى قتال، وأقصى المدنيين عن مراكز القرار في مرحلة كانت تتطلب رقابة فعالة وتسوية سياسية.
ويحذر الشريف من استخدام إخفاقات القوى المدنية أو هشاشة الاقتصاد لتخفيف مسؤولية الأطراف المسلحة عن قراراتها. فالأزمات السابقة على الحرب تفسر جانباً من هشاشة الدولة، لكنها لا تلغي مسؤولية من اختاروا اللجوء إلى القوة العسكرية أو واصلوا القتال.
شروط السلام
تُظهر التجربة أن إعادة رئيس وزراء أو تشكيل حكومة لا تكفي لاستعادة الانتقال المدني إذا ظلت مراكز القوة المسلحة قادرة على تعطيل قراراتها. كما أن وقف إطلاق النار، على ضرورته، لا يضمن وحده سلاماً مستداماً ما لم يُربط بمسار سياسي يعالج مستقبل المؤسسات العسكرية، والرقابة على مواردها، والمساءلة عن الانتهاكات.
ويقترح الشريف أن تبدأ التسوية بوقف إطلاق نار مراقب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، على أن تتبعها عملية سياسية وأمنية قابلة للتنفيذ. وهو يميز بين التفاوض مع حاملي السلاح لإنهاء الحرب، ومنحهم شرعية سياسية أو حصصاً في الحكم لمجرد امتلاكهم القوة المسلحة.
ويقتضي المسار الأمني معالجة قضايا القيادة والسيطرة، ووضع جدول واقعي لإصلاح القطاع الأمني، وبناء جيش وطني موحد يخضع لسلطة مدنية دستورية، وإنهاء التشكيلات العسكرية الموازية وفق ترتيبات واضحة. كما يتطلب إخضاع الإنفاق والأنشطة الاقتصادية العسكرية للرقابة العامة، إلى جانب مسار مستقل للعدالة الانتقالية يضمن حقوق الضحايا والمحاكمة العادلة.
ويحذر الشريف من أن تغيير القائد وحده لن يكون كافياً إذا بقيت البنية التي تسمح لأي قيادة عسكرية بالاحتفاظ بامتيازات سياسية واقتصادية خارج الرقابة. فالإصلاح المستدام لا يقوم على إعادة توزيع النفوذ بين القادة، بل على تغيير القواعد التي تمنح القوة المسلحة قدرة على التحكم في الدولة.
أما القوى المدنية، فتواجه مهمة بناء قيادة أكثر تمثيلاً وتوافقاً، وبرنامج عملي للانتقال والسلام والعدالة والإعمار. ويظل دور الفاعلين الإقليميين والدوليين مهماً في دعم وقف الحرب والضغط من أجل التزامات قابلة للتحقق، لكن الضمانات الخارجية لا يمكن أن تحل محل مؤسسات مدنية منظمة وقادرة على إدارة الدولة.
إنذارات مبكرة
بعد ثلاثة أشهر فقط من انقلاب أكتوبر، كان وراق يحذر من تنازع الإرادات داخل السلطة، وهشاشة أجهزة الدولة، ومخاطر وجود قوتين عسكريتين في العاصمة. لا تثبت هذه التحذيرات أن الحرب كانت حتمية، لكنها توثق أن بعض المخاطر التي ظهرت بوضوح في أبريل 2023 كانت مطروحة في وقت مبكر.
وفي الذكرى الخامسة للانقلاب، أعاد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، في بيان صدر في 25 أكتوبر 2026، التأكيد على أن الانقلاب أجهض فرصة بناء دولة مدنية ومهّد للحرب. ودعا التحالف إلى وقف القتال وحماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وإطلاق عملية سلام شاملة. ويعكس البيان استمرار القراءة السياسية التي تربط بين الانقلاب والحرب، لكنه يظل موقفاً صادراً عن التحالف، لا دليلاً مستقلاً على السببية.
تكشف تجربة السنوات الخمس أن إسقاط الشراكة المدنية لم ينهِ التنافس على السلطة؛ بل أبقاه داخل بنية عسكرية مزدوجة، من دون مؤسسات مدنية قادرة على فرض تسوية. ومن هنا، فإن إنهاء الحرب لا يتوقف على اتفاق بين القيادات المسلحة وحدها، بل على تغيير العلاقة بين السلاح والدولة، بحيث تخضع القوة العسكرية لسلطة دستورية مدنية، وتدار الموارد العامة عبر مؤسسات خاضعة للمساءلة.
تتجلى الكلفة السياسية الأعمق لانقلاب أكتوبر في تعطيل الانتقال وإهدار فرصة معالجة اختلالات تراكمت حتى انفجرت حرباً يتحمل المدنيون العبء الأكبر من خسائرها.