مبارك أردول.. لعنة موتى «شمال الوادي» أم لعنة التبر؟

بروفايل: (ديسمبر)

 

 

على وجهه غضب شديد، وبانفعال لا يليق بمن يقول إنه «سياسي»، وبعبارات تهديد صريحة، ظهر مبارك أردول في بث مباشر على منصة فيسبوك، عقب كارثة مقتل أكثر من 150 من المعدنين السودانيين شمال الوادي، بعد استهدافهم عبر طيران مصري.

 

ولم تتفجر غضبة أردول على فيسبوك بسبب مقتل هؤلاء الشباب السودانيين، وإنما بسبب اتهامات وجّهها إليه ناشطون، مفادها أنه ضالع في صفقة التعدين السودانية المصرية على حدود البلدين، في المنطقة التي وقعت فيها الكارثة، وأن الشركة المصرية السودانية «ديب ميتالز»، التي يُعد أحد النافذين والمتنفذين فيها، من بين الشركات التي ستستثمر في الأرض التي قُتل فيها أبناء السودان البسطاء.

 

هدد أردول ناشطين بالملاحقة والانتقام منهم، حتى وإن كان بعضهم في أوروبا. وبدورهم، بادلوا تهديداته بتهديدات مشابهة، من بينها الكشف عن فضائح أخرى مخبأة، وعن علاقات مشبوهة بينه وبين رجال أعمال مصريين وغير مصريين، وعن صفقات استغل فيها أردول نفوذه وعلاقته بالعسكريين، وفي مقدمتهم الفريق أول شمس الدين كباشي. كما اتفقوا جميعاً على سرد وقائع وتسريبات فضائحية ظهرت مؤخراً، وكان أردول طرفاً فيها.

 

والملاحظة المهمة أن المعركة التي بدأها أردول غاضباً أظهرته سياسياً شديد الاهتزاز، مثقلاً بالهفوات، ومتكالباً على المصالح الشخصية وجمع الثروة المالية، مستغلاً في ذلك وجوده في المشهد السياسي الذي تصاعد بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، وبعد اندلاع حرب 15 أبريل.

 

لماذا أردول؟

 

أو لماذا الربط بين أردول ومقتل الشباب السودانيين في شمال الوادي؟. للدقة والأمانة المهنية، لم تجد (ديسمبر) ما يؤكد علاقة أردول أو شركة «ديب ميتالز» بالكارثة التي وقعت شمال الوادي، أو ما يعزز ما ذهب إليه المؤثرون على فيسبوك. غير أن مصادر متطابقة تحدثت إلى (ديسمبر) أكدت وجود علاقات تصاعدت مؤخراً، تجمع بين مبارك أردول ورجال أعمال مصريين مهتمين بقطاع التعدين والمعادن السودانية، وخاصة معدن الذهب.

 

وقال أحد المصادر: «أردول ضيف مهم على موائد وفي محافل رجال الأعمال المصريين المهتمين بتعدين الذهب في السودان وشرائه وتصديره».

 

والأهم من ذلك علاقة أردول بالشركة السودانية المصرية «ديب ميتالز»، وهي علاقة أثارت كثيراً من الغبار، ويكتنفها غموض لم تُزِله البيانات الكثيرة التي صدرت عن «ديب ميتالز» وعن وزارة المعادن، وخاصة فيما يتعلق بعلاقة أردول بالشركة المصرية السودانية. وعلى الرغم من نفيه المتكرر أنه ليس من حملة الأسهم، وأنه مدير للشركة لا غير، فإن الانتقادات والاتهامات لم تتوقف في حق أردول، وخاصة شبهة استغلال النفوذ الحكومي، أو على الأقل نفوذه الرسمي السابق في قطاع التعدين، عندما تولى منصب مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية، وهي الذراع الحكومية الرسمية في قطاع التعدين.

 

وقال مصدر: «الاتهامات ظلت تلاحق أردول منذ أن كان مديراً للشركة السودانية للموارد المعدنية، وأولها حادثة جمع تبرعات إجبارية للاحتفال بتنصيب حاكم إقليم دارفور. وبعد مغادرته المنصب، ارتفعت وتيرة الاتهامات والتسريبات والفضائح؛ لأن أردول دخل إلى عالم التعدين والأموال من السياسة، مما يعزز دائماً تهمة استغلال المنصب أو علاقات المنصب الحكومي السابق في جمع ثروة مالية شخصية، دون الاهتمام بالشفافية المطلوبة للعمل العام».

 

وذهب المصدر إلى الإجابة عن السؤال مباشرة: لماذا كان أردول أول المتهمين من قبل الناشطين في كارثة مقتل المعدنين السودانيين؟ حيث أشار إلى علاقة أردول السابقة برجال أعمال مصريين، وإدارته لاستثمار مصري سوداني، وأضاف: «عوامل أخرى دفعت أردول إلى واجهة كارثة مقتل شباب سودانيين في مناطق التعدين».

 

ومن بين العوامل الأخرى التي ذكرها المصدر أن أردول سعى في السنوات الأخيرة إلى إبعاد منافسيه التجاريين من السوق المصري المتعلق بالذهب، ولا يُستبعد أن يكون المنافسون التجاريون وراء الزج باسم أردول والشركة التي يديرها في أحداث شمال الوادي.

 

وإلحاقاً بما سبق، أشار المصدر إلى أن علاقات أردول التجارية في دولة الإمارات محدودة، لجهة أنها محتكرة لرجال أعمال أكبر وزناً منه، ويصعب عليه منافستهم، أمثال هشام السوباط ومجاهد عبدالله سهل وأسامة داوود، على حد قوله.

 

ورداً على سؤال بشأن علاقة أردول بالسوق القطري، قال: «علاقة قطر بالاستثمار في الذهب السوداني جديدة، ابتدرها إسلاميون بعد أزمة العلاقات مع الإمارات بعد الحرب، ولا أعتقد أنهم سيسمحون لأردول وأمثاله، الذين ولجوا مجال الاستثمار من بوابة السياسة، بالدخول إليه بسهولة».

 

ومما سبق، يظهر جلياً أن سمعة أردول السياسية رهينة بالمنافسة التجارية التي تستخدم أدوات صدئة، تترك آثاراً قبيحة في مسيرته السياسية، وقد تصل ربما إلى حد الإعدام السياسي.

 

«الصمت».. الأب الشرعي للإشاعات

 

ما لم يكن متوقعاً في حادثة مقتل أكثر من 150 شاباً سودانياً بنيران الطائرات هو الصمت الحكومي الذي أعقب الحادثة. فعلى الرغم من انتشار الخبر في الوسائط الإعلامية المحلية والدولية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، آثرت الحكومة الصمت، ولم تصدر تعليقاً إلا بعد مرور أكثر من 48 ساعة على الحادث.

 

وقد بلغ الأمر حدّاً تحول فيه الصمت الحكومي إلى حدث أكبر من الحدث نفسه. ومعلوم أن الصمت في مثل هذه الحالات يتحول إلى أب شرعي للإشاعات، والأهم من ذلك أنه يتيح ربط أحداث قديمة بالحادث الجديد. وهذا ما وقع فيه مبارك أردول وشركة «ديب ميتالز» بالضبط، في سياق ما جرى للشباب المعدنين.

 

وفعلياً، بحث رواد موقع فيسبوك ومنصة «إكس» وغيرهما عن مجرم تُعلَّق عليه التهمة، فلم يجدوا أفضل من مبارك أردول وشركة «ديب ميتالز» التي ارتبطت به، واستدعوا جميع المخالفات والاتهامات والتسريبات السابقة المتعلقة بالسياسي ورجل الأعمال في مجال التعدين: مبارك أردول.

 

ولم تسلم من هذه الاستدعاءات حتى ملابسات وفاة رئيس مجلس إدارة شركة «ديب ميتالز» وشريك أردول، عمر النمير.

 

وفي الحقيقة، لا يصعب على المراقب تتبُّع المعارك الكثيرة التي خاضها أردول، مدافعاً عن نفسه في مواجهة اتهامات أو مقدماً تبريرات للأخطاء التي تتسرب من بين يديه. وأهمها الخطأ الذي كلفه اعتذاراً شهيراً في سبيل الحفاظ على مصالحه؛ ونعني المخالفة التي ارتكبها في جمع أموال لصالح تنصيب حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، عندما طلب أموالاً من شركات التعدين ومن رجال أعمال يعملون في المجال، وهو مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية، وأمرهم بأن تُرسل إلى حساب موظف في الشركة.

 

وكانت تلك أموال ضخمة، بحجة المشاركة في حفل تنصيب حاكم إقليم دارفور. وانكشف السر لاحقاً، إذ إن تصرف أردول لم يكن بدافع محبة حاكم الإقليم مناوي، ولا حباً في الإقليم، وإنما لأن وزارة المعادن التي تتبع لها الشركة تقع ضمن حصة حركة جيش تحرير السودان وزعيمها مناوي. وكل ذلك من باب «كسير الثلج»، بحسب التعبير الشعبي.

 

وعندما استُجوِب أردول حول ملابسات إرغام الشركات على دفع أموال بطرق غير سليمة، من قبل رئيس الوزراء وقتها عبدالله حمدوك، اعتذر قائلاً: «ما كنت عارف ده غلط».

 

ومن بين ما استُدعي في مواجهة أردول وربطه بمقتل المعدنين، التسريبات الصوتية التي انتشرت سابقاً، ويتحدث فيها أردول متعرضاً لقائد الجيش، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، بالشتم وبعض الأوصاف غير اللائقة، بينما كان هو ورفاقه في الطريق إلى لقاء قيادات في الحكومة المصرية. والمفارقة أن من بين مرافقي أردول نور الدائم طه، وزير المعادن الحالي، لكن أردول نسب المحادثة المسربة إلى الذكاء الاصطناعي.

 

غير أن التسريبات الأشهر نشرها الناشط مجاهد بشرى، وتحدث فيها أردول عن صفقات تجارية وعلاقات مع الاستخبارات العسكرية، وكشف العلاقة بينه وبين الفريق أول شمس الدين كباشي، الذي ينادونه بـ«عمك» في المحادثات.

 

ومن بين التسريبات المدهشة المتعلقة بأردول، والتي استُدعيت مع حادثة المعدنين، محادثة مع أحد مساعديه في الحزب يأمره فيها بشراء صحيفة أوردت خبراً عن خلافه مع البرهان والاتجاه إلى إعفائه من منصب مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية. وقال في المحادثة: «جاتني أفكار خبيثة».

 

وتلخصت الأفكار الخبيثة في شراء الصحيفة والصحفي وتوجيهها ضد أعدائه، مستفيداً من الثروة التي جمعها من تجارة الذهب. لكن البيعة لم تكتمل، بعد تمسك الصحفي بموقفه المهني من أردول.

 

ابن الهامش ومقتل أبناء الهامش

 

الملابسات التي أدت إلى غضبة أردول وظهوره في مقطع الفيديو منفعلاً ومهدداً الآخرين مفهومة ومبررة؛ لأن الواقعة والتهمة تضربان في عمق الدعاية السياسية التي يعتمد عليها في مسيرته الحالية ومستقبله السياسي معاً، وهي الدفاع عن قضايا الهامش والمهمشين.

 

ولما كان ضحايا شمال الوادي جميعاً من أبناء الهامش، كانت الاتهامات بالضلوع في قتلهم أكثر إيلاماً لأردول. ولما كانت مرتبطة بالتعدين والذهب والاستثمارات المصرية والطيران المصري، كانت أشد إحراجاً له. وعلى الرغم من عدم توافر أدلة حقيقية، توافرت قرائن وبيئة كافية لصناعة «حدث».

 

وكل ذلك جعل من يبني خطابه السياسي على العدالة الاجتماعية والدفاع عن أبناء الهامش يبدو غير مهتم بالعدالة الاجتماعية لأطفال وشباب سودانيين في مناطق تعدين شديدة القسوة، تبلغ ذروتها بقتلهم دون اكتراث. ومن يصدر نفسه مدافعاً عن أبناء الهامش يُتهم بالاشتراك في قتل أبناء الهامش.

 

لذلك، كانت غضبة أردول ضارية، وتهديداته مباشرة، إذ قال لأحدهم: «عندي تأشيرة شينغن وح أجيك في فرنسا».

 

أردول: السياسة مقابل الذهب

 

يتفق كثير من المراقبين على أن شخصية أردول السياسية تجلت بعد توليه منصباً حكومياً، هو منصب مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية، وأنه سقط في الامتحان الأول، على حد رأيهم، عندما تحول إلى رجل أعمال ومستثمر أكثر من كونه سياسياً، متنازلاً عن الشفافية التي تتطلبها «السياسة» لصالح المؤامرات والأفكار الخبيثة، كما ذكر في مكالمة مسربة، التي تنتشر في أوساط المنافسة التجارية.

 

ودائماً ما يستشهد المراقبون بموقفه من الديمقراطية، عندما دعم اعتصام القصر وطالب الفريق البرهان أو الجيش بالاستجابة لمطالب المعتصمين بالإطاحة بالحكومة المدنية عن طريق الانقلاب. وكان ذلك الاعتصام الذي ردد قادته، من منصة محروسة من الأجهزة الأمنية، هتافات: «البيان البيان يا برهان»، و«حلها حلها يا برهان».

 

ومنذ ذلك الوقت، أصبح أردول مقرباً من العسكريين، وفي مقدمتهم الفريق أول شمس الدين كباشي والاستخبارات العسكرية.

 

وأردول، الذي أسس حزباً باسم التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية، أراد من خلاله الاستمرار في تقديم نفسه على أنه منحاز إلى العدالة الاجتماعية وإنصاف المهمشين، غير أنه بات يُصدِّر إلى الرأي العام السوداني صورة رجل أعمال جمع ثروة طائلة، أكثر من صورة سياسي يدافع عن العدالة الاجتماعية.

 

كما باتت صورته، في نظر منتقديه، صورة شخص يخوض غمار السياسة لتحقيق مصالح شخصية وجمع ثروة من الذهب، مستفيداً من كونه ينتمي إلى مناطق مهمشة وفقيرة، ومن خلفيته السياسية التي تأسست حديثاً في الحركة الشعبية، التي ظلت ترفع السلاح في وجه الحكومات المركزية في الخرطوم من أجل إزالة التهميش عن المواطنين في جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق وغيرها من المناطق.

 

لذلك، ينظر غالبية المراقبين وقطاعات من الرأي العام السوداني إلى أردول باعتباره رجلاً استبدل السياسة بالذهب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *