نعم، إنها الحرب.. وهذه جرائم الحرب
التبريرات التي يقدمها بعض المدافعين عن الدعم السريع لجريمة تدمير محطات الكهرباء في كل ولايات السودان هي تبريرات فطيرة لا تصمد أمام المنطق السليم والمعايير الدولية للحروب التي توصلت إليها البشرية من خلال تجربتها الإنسانية الطويلة.
محطات الكهرباء جزء من البنيات الأساسية للبلاد، يستفيد منها السكان المدنيون بصورة أساسية، والاعتداء عليها وتعطيلها هو عمل عدواني مباشر على المدنيين، يدخل تحت طائلة جرائم الحرب المدونة في كل القوانين والمواثيق الدولية. وغير ذلك، فإنه نوع من المعارك الجبانة، حين يترك المقاتل مواجهة مقاتل مثله في ساحة المعارك المعروفة، ويفضل أن يوجِّه فوهة بندقيته أو مدفعه أو طائرته المسيّرة نحو الأهداف المدنية، فيغلق أبواب المستشفيات أمام المرضى، والمدارس ومكاتب خدمات المواطنين، ويحرق قلب أمٍّ فسد الطعام الفقير والقليل الذي وضعته في ثلاجتها الصغيرة لتطعم صغارها.
القول بأن الكهرباء تستخدمها أيضاً الوحدات العسكرية لا يصلح مبرراً؛ فكل ما يخدم المدنيين يمكن أن يخدم المقاتلين من كل طرف: محطات المياه والكهرباء والطرق والجسور، وطالما دخل المدنيون في الخط، فهذا يجب أن يعصمها من الاستهداف والتدمير.
سيقول قائلهم: أولم تدمر طائرات الجيش الجسور والكباري في العاصمة، كما استهدفت المباني الحكومية في وسط الخرطوم، بل ومصفاة الجيلي، وقتلت المدنيين في مناطق دارفور وكردفان؟ نعم، لقد فعلت، وقد كتبنا عن ذلك ما كتبنا، ونالنا قسط كبير من الأذى والشتائم… فهل هذا هو المبرر الأساسي؟.
ارتكاب خصمك جريمة لا يصلح تبريراً لك عندما ترتكب الجريمة نفسها؛ لن تحصل على البراءة، ولن تكون بعيداً عن المحاسبة، إن توفرت ظروفها، بل ستشملك الإدانة والتجريم كما تشمل خصمك. بل الأقسى من ذلك أنه لا يحق لك بعد الآن إدانة جريمة تدمير الجسور والكباري أو تذكير الناس بها؛ فقد فعلت مثلها، وربما ما هو أكثر جرماً. كما أن مقالات وخطب تحرير المدنيين وتخليصهم من جرائم الفلول وغيرها قد سقطت مع كل قصف مسيّرة، كما سقطت من قبل في كل المناطق التي احتلها الدعم السريع وأذاق أهلها الويلات.
جرائم الحرب معروفة ومحددة، ولا تتعلق بالطرف الذي يرتكبها، فلا أحد سيكون بمنجاة من المحاكمة والعقاب تحت أي حجة، وبغضِّ النظر عن الراية التي يقف تحتها. كما أن التسبب في زيادة معاناة المدنيين لن يتسبب في السخط على الحكومة، لأنها ترفض وقف الحرب وحدها، بل سيعم السخط كل الأطراف.
الحرب لعنة، والحرب الأهلية لعنة أكبر، ولن تفلح كل السرديات المضللة في إخفاء عورتها وتغيير وجهها وملامحها، سواء أسموها حرب تحرير أو غزواً أجنبياً أو حرب كرامة؛ فهي لا تفعل شيئاً غير إهدار كرامة المواطن السوداني داخل أراضيه وفي مناطق النزوح واللجوء.. فمتى نواجه الحقيقة؟.