الفــارش.. صـــافرة نهــاية؟ أم بـــداية؟

عند العسكريني تعني كلمة »حصار« أن امل ُ َحاصرين عاجزون عن الخروج عاجزون عن دخول املدينة، وامل من الخنادق وفك حصارها، وهو أسوأ تكتيك حربي ضد املدنيني؛ تكتيك »عض األصابع« للعسكريني الذي ال يعلم أحد متى سينتهي، وكيف؟، وأمامنا حصار الفاشر املتمدد شهورًا عديدة، وال يزال. لذا فإن السؤال املطروح: كيف سيكون مستقبل الحرب في حال انتهى هذا الحصار الطويل؟. الفاعلون والسيناريوهات قوات الدعم السريع والقوات املتحالفة معها، وهم من باتوا مؤخرًا يعرفون أنفسهم بـ«قوات تأسيس«، يحاصرون الفاشر. َ القوات املسلحة واملتحالفون مع الجيش محاصرون داخل املدينة والفرقة السادسة، ويعملون جاهدين لفك الحصار عن املدينة وعن الفرقة السادسة مشاة. ومن ناحية أخرى يظهر املجتمع الدولي اهتمامًا باملدنيني َ املحاصرين داخل املدينة. وقبل أن نطرح سيناريوهات الدعم السريع والجيش، ونجاح كل طرف في مسعاه، دعونا نقف عند املجتمع الدولي، بما فيه األمم املتحدة ومجلس األمن، والذي ما انفك يناشد املتحاربني بحماية املدنيني، والسماح للمساعدات بالوصول إليهم. في الواقع أن املجتمع الدولي ال يملك في هذا الحصار املعقد غير هذا الدور. وباألمس تحدث األمني العام لألمم املتحدة أنطونيو غوتيرش إلى رئيس الوزراء املعني كامل إدريس، وتباحث معه حول حماية املدنيني، ال عن طرق إنهاء الحصار عن املدينة. وحال التنقيب في القانون الدولي، لن ِّ م »الحصار« العسكري ً يجر تجد موقفًا صريحًا ومنفصال في أوقات الحرب، وفي املقابل يجرم القانون الدولي تجويع َّف مثل املدنيني، أو استخدامهم دروعًا بشرية، وربما يصن هذا السلوك من املقاتلني – التجويع والدروع- على أنه جريمة حرب. ففي ديسمبر 2019م أعلنت محكمة الجنايات الدولية، بموجب القانون الجنائي الدولي، أن التجويع املتعمد للمدنيني في النزاعات املسلحة بمثابة جريمة حرب. وبهذا تم تعديل نظام روما األساسي ليشمل جريمة التجويع. أما الحصار في حد ذاته فال ننتظر من األمم املتحدة وال مجلس األمن وال غوتيرش أن ينهضوا إلنهائه. واملعضلة أنه من الصعب إثبات جريمة »التجويع املتعمد«. لذلك نجد الهادي إدريس، حاكم إقليم دارفور املعني من قبل حكومة »تأسيس«، في حديقه لقناة الجزيرة ينفي تعمد تجويع املدنيني، ويقول إن حصارهم يستهدف الفرقة السادسة مشاة، وإنهم فتحوا ممرات آمنة لخروج املدنيني وناشدوهم ألجل ذلك، ويفسر ما يتم تداوله من قبل الجيش على أنه »دعاية«. ثم يذهب لقلب الطاولة على األعداء، ويقول إن الجيش والقوات املشتركة التي تقاتل معه يمنعون املدنيني من الخروج ويستخدمونهم دروعًا بشرية. كذلك فإن جريمة استخدام املدنيني دروع بشرية يصعب إثباتها، ألن الجيش في الفاشر والقوات املشتركة يفسرون ما يجري على أنه ضرب من حماية املدنيني من قوات الدعم السريع، التي تمنع عنهم الغذاء والدواء، وأشاروا في أكثر من مرة إلى أن الدعم السريع يقتل املدنيني الفارين من الحصار ويعرضهم للخطر، لذلك ال أمل في تدخل دولي لفك الحصار بالقوة. وتظل املعاناة من نصيب املدنيني، وهي معاناة قاسية و مريعة، ومؤسفة. الفارش: العبرة بالنتيجة مع الوقت اكتسبت معركة الفاشر، وزنًا مختلفًا عن بقية معارك حرب 15 أبريل، فهي املدينة األطول صمودًا في مواجهة قوات الدعم السريع، متفوقة في ذلك على العاصمة الخرطوم نفسها، مكان قيادة الجيش، وتحول كل هجوم عليها إلى رقم َ يستخدمه املحاصرون داخلها داللة على صمودهم وعلى عجز الدعم السريع عن اجتياحها. أما املهاجمون في كل يوم فيعلنون عن عزمهم إسقاط الفرقة السادسة. وقد حشدوا بالفعل كل قضهم وقضيضهم وأجلبوا خيلهم ِ لهم من أجل هذا الهدف، وال تخلو السوشيال ميديا يوميًا من َ ج ور مقاطع عن تقدم هنا ومعركة هناك، وعتاد جديد، وتقدم في حي من األحياء أو سوق ومطار.. قطعًا كل ذلك جعل من معركة الفاشر معركة ِ املحاربني من املنازل، ومن املواطنني فاصلة، بعد التعبئة التي لم تستثن املؤيدين الستمرار الحرب من جهة الجيش، أو املؤيدين الستمرارها من جهة الدعم السريع. باختصار حازت الفاشر على أعلى معدل تعبئة سياسية، وهذا يعني أن من سيكسب هذه املعركة سيكون قد حقق هدفه الذهبي خالل هذه الحرب. وإذا عدنا إلى سيناريو فك حصار املدينة والفرقة السادسة من قبل الجيش، واستنادًا على املعارك التي كسبها في سنار والجزيرة والخرطوم، ستكون بمثابة دفعة قوية الستعادة ثقة املواطنني فيه، ويتحول إلى وضع مريح في بقية املعركة، ويبقى األقرب إلى حسمها من عدوه الدعم السريع. إال أن هذا الطريق بالغ الصعوبة، وإال ملا أخذت الفاشر كل هذا الوقت تحت رحمة الحصار، خاصة أنها في بقعة محاطة ببيئة جغرافية يسطير عليها العدو من كل الجوانب، ويسد الطرق إليها من جهة أم درمان عبر طريق بارا ومن شمال وغرب كردفان )الشرق(.. ومن جهة زالنجي ونياال والضعني )الجنوب(.. ومن جهة كبكابية والجنينة )الغرب(، ومن كتم ومليط )الشمال(. وفي هكذا ظروف تبقى حظوظ الجيش متراجعة، وصعبة، ولكن إن تمكن من إنجاز هدفه سيكون قد أنجز ثلثي النصر، إن لم يكن أكثر. نجاح الحصار هذا ما يسعى له الدعم السريع، أن ينقشع الحصار الذي ضربه لشهور عن سيطرته على الفرقة السادسة مشاة. وبطبيعة الحال تعني سيطرته على الفاشر العاصمة، سيطرته على دارفور، وعلى غرب السودان، وإن لم يخض معركة في بابنوسة في جنوب كردفان التي ال تزال فيها الحامية تحت سيطرة الجيش، ويبقى الطريق ممهدًا إلى الدلنج وربما كادقلي نفسها بعد تحالفه مع قوات الحركة الشعبية، وتعني سيطرتها على الفاشر أيضًا أنها من ربح التعبئة والدعاية ُ ربت حول معركة الفاشر، وهو كذلك سيحقق نصرًا السياسية التي ض معنويًا كبيرًا. غير أن مكاسب الدعم السريع – التي هي خسارة الجيش- في هذه الحالة لن تتوقف عند هذا الحد، وخاصة َّ ن ظهره في الحدود الغربية مع أنه، بحسب عسكريني، أم تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى، وصار أكثر أمانًا بعد السيطرة على منطقة املثلث الحدودية، املرتبطة بمصر، وأجزاء من الحدود الجنوبية والجنوبية الشرقية البعيدة في النيل األزرق، وبلغة العسكريني أيضًا بات »ظهره آمنًا وخطوط إمداده سالكة«، وهذا يوفر له فرصة أن يتقدم في ً نواحي الخناق ودنقال وربما مدينة اتجاه الوسط أو شماال الدبة، أو على األقل ينشط في عمليات عسكرية في تلك الجهات. وهذا سينهي بشكل قاطع رواية النصر عند أعدائه وما يروجونه عن تفكك قواته وعن نهايته ونهاية الحرب. وفي حديث القيادي بالعدل واملساواة وفي حكومة »تأسيس« جبريل بالل أنهم بعد سيطرتهم على الفاشر سيتوجهون نحو األبيض ثم إلى الخرطوم والشمالية. وإن كان حديث جبريل يقرأ في إطار الدعاية الحربية، إال أنه ال يخلو من حقيقة من حيث النظريات العسكرية التقليدية »الهجوم خير وسيلة للدفاع« لحماية مكاسبهم في دارفور وغرب السودان. وبالنظر إلى التطور السياسي بإعالن حكومة في مدينة نياال، وفي حال السيطرة على الفاشر ستتموضع هذه الحكومة بشكل جديد، وسيجد غوتيرش نفسه مرغمًا وكذلك منظمات األمم املتحدة واملنظمات الدولية على ً التعامل معها، وأسلفنا بأن هؤالء عينهم على املدنيني أوال وأخيرًا. وهذا سيمنح »تأسيس« شريان حياة توظفه كيف تشاء، أسوة بما حدث في جنوب السودان وشريان الحياة الذي كان تحت إدارة الحركة الشعبية قرنق، في منتصف ُبلة حياة قبل املدنيني َّل لها ق تسعينيات القرن املاضي، ومث الجوعى. واقع المعركة قطعًا يتبادر إلى األذهان سيناريو ثالث، وهو أن يستمر الحصار أطول مما تتوقع األطراف، ويبقى إلى أن يفرض الوقت حلوله، وهذا سيعزز من نظرية »توازن الضعف« وإنهاك املتحاربني، وهي الظروف املواتية للتقسيم واالنفصال، وفق معطيات الواقع. ِّ ح غير أن واقع املعركة يرج صعوبة فك حصار املدينة، ومن ثم الفرقة السادسة، واستماتة الدعم السريع في معارك غرب كردفان وفي أم صميمة وأب قعود ال يعدو كونه توسيعًا لدائرة الحصار سعيًا لحماية ظهر املهاجمني على الفرقة السادسة من جنوده، وحتى ال يصل مدد عسكري إلنقاذ املحاصرين، واملعركة األخيرة في تلك النواحي تشير إلى نجاحه في مهمته حتى هذه اللحظة. وقد خسر لواء النخبة األول كثيرًا من قوته الصلبة، في معارك الخوي، والنهود في غرب كردفان، وفي أم صميمة وفي دار حامد ومعركة أب قعود األخيرة في شمال كردفان، التي خسر فيها الجيش وقوات كيكل وكتائب اإلسالميني قادة وجنودًا كثرًا، وعتادًا حربيًا نوعيًا. ثم هناك األنباء الواردة من الفاشر عن تقدم قوات الدعم السريع، وهي – وإن كانت بطيئة – في حالة كر وفر، ومقاومة شرسة من جنود الفرقة السادسة، مع قطع الطريق أمام قوات اإلنقاذ أو لواء النخبة، تصبح فرضية دخول الدعم السريع الفرقة ليست مستبعدة، إن لم تكن راجحة. صافرة بداية أم نهاية؟ مع التحشيد العسكري واإلعالمي والسياسي على حد سواء في معركة الفاشر، يتبادر سؤال مهم: هل حسم املعركة من طرف سيكون نهاية الحرب؟ أم بداية لها؟ بحسب املعطيات وإفادات الخبراء ربما ال يعني كسب الفاشر حسمًا للمعركة بشكل نهائي في أي حال، وللدقة ربما تكون في حال حسمها من الجيش أقرب إلى حسم املعركة مصطحبني املعطيات الواردة في هذا التحليل. أما في حال حقق الدعم السريع هدفه من الحصار ستمثل بال شك نقطة جديدة إلشعال الصراع بعد أن يكسب وضعًا مريحًا في دارفور، وفي منطقة جغرافية واسعة في غرب كردفان، ويستطيع أن يفرض واقعًا يلزم املجتمع الدولي على التعامل مع حكومته، وإن كان في حدود إغاثة املدنيني، وسيتجه قطعًا إلى حماية مكاسبه بتوسيع دائرة املعارك، أو كما قال جبريل بالل، وعدد من الناطقني باسمه. وإلى أن تفصح األيام عن تحقق أحد هذه السيناريوهات تظل الفاشر واقعة تحت حصار يمنع املواطنني من كل ما يسهم في استمرار بقائهم أحياء من طعام وماء ودواء بسبب الحصار، أو بسبب نيران الحرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *